للأفعال الجميلة ، فإنّ المراد هاهنا بالإرادة . هي العزيمة الثابتة الباعثة الجازمة على الفعل أو الترك ، فإذا أدركنا شيئا وعلمناه ، فإن اعتقدنا ملائمة أو منافرة لنا دفعة بالتوهّم أو ببديهة العقل ، انبعث منه [ مناط - ظ ] شوق إلى جذبه أو دفعه يتبعه إرادة ، فإذا انضمّت إلى المقدرة انبعثت تلك القوّة لتحريك الأعضاء ليحصل الفعل بالاختيار ، وإن لم نعتقد بالضرورة ، الملائمة والمنافرة ، أعملنا الرويّة واستعملنا القوى الدرّاكة لطلب الترجيح بإرادة عقليّة أو وهميّة .
فربما كان ملائما ببعض الوجوه ، غير ملائم ببعضها ، أو ملائما للحسّ ، غير ملائم للعقل أو بالعكس ، أو نافعا في العاجل غير نافع في الآجل أو بالعكس ، ويحدث بسبب كلّ ملائمة داع ، وبحسب كلّ منافرة صارف ، ويترجّح عزم أحد طرفي الفعل والترك بحسب ترجيح دواعيه ، وعند تعارض الدواعي وتكافؤ الأشواق ، يقع التحيّر ونستعمل القوّة الفكريّة حتى يسنح ما يرجّح أحد الطرفين ، فنفعل بحسبه .
فنقول : كما تفطّنت إنّ الأشياء الداخلة في وجود الإنسان كالعلم والقدرة والإرادة من جملة أسباب الفعل ، فاحدس أنّ هذه الأمور الخارجة أيضا من جملتها ، فالدعوة والتكليف والإرشاد والتهذيب والوعد والترغيب والإيعاد والتهديد ، أمور جعلها اللّه مهيّجات الأشواق ودواعي إلى الخيرات والطاعات واكتساب الفضائل والكمالات ، ومحرّضات على أعمال حسنة وعادات محمودة وملكات مرضيّة وأخلاق فاضلة نافعة لنا في معاشنا ومعادنا ، يحسن بها حالنا في دنيانا ويحسن « 1 » بها سعادة عقبانا .
أو محذّرات عن أضدادها من الشرور والقبائح والذنوب والرذائل ، مما يضرّنا في العاجل ونشقى بها في الآجل .
وكذلك السعي والجدّ والتدبير والحذر ، إذا قدّرت مهيّئة لمطالبنا موصله إيّانا إلى مقاصدنا مخرجة لكمالاتنا من القوّة إلى الفعل ، فجعلت أسبابا لما يصل إلينا من أرزاقنا
هامش
( 1 ) ظ : يحصل .