في حيّز الإمكان أو الامتناع ، فإذا كان من جملة الأسباب - وخصوصا القريبة - وجود هذا الشخص الإنساني وعلمه وإرادته وقدرته وتشوّقه وتفكّره وتخيّله اللذان هما مختار أحد طرفي الفعل والترك ، كان ذلك الفعل اختياريّا واجبا وقوعه بجميع تلك الأمور التي هي علّة تامّة لوجود المقدور ، ممكنا بالنسبة إلى كل واحد منها ، فوجوب الفعل لا ينافي اختياريّته .
كيف ! وقد مرّ إنّ الشيء ما لم يجب لم يوجد .
فإن قلت : مع حصول القدرة والإرادة إن كان الترك ممكنا لم يكن الفعل واجبا وإن لم يكن ممكنا لم يكن العبد مختارا ؟
قلت : الترك غير ممكن ولا يلزم من ذلك أن لا يكون مختارا . فإنّ الفعل الاختياريّ ما يكون الاختيار من جملة أسبابه ويكون صدوره موقوفا بالاختيار ، لا ما يكون ممكنا على تقدير تحقّق علّته التامّة التي من جملتها الإرادة .
عقدة وحل [ لمية التكليف ]
ثمّ إذا رجعت إلينا ثانيا وقلت : فما فائدة التكليف على هذا التقدير ؟ لأنّه إذا كانت الأسباب العالية مقتضية والقوابل السفلية حاملة ، والاستعدادات الماديّة مهيئّة أو متأبيّة معوّقة ، فصدور الفعل إمّا واجبة أو مستحيلة . وعلى أي الوجهين فالتكليف بالأفاعيل عبث .
وأيّ فائدة للتكليف بالطاعات وبعثة الأنبياء بالمعجزات والآيات ، وأيّ تأثير للسعي والجهد وأي توجيه للوعيد والوعد وما معنى الابتلاء في قوله : ليبلوكم ايّكم أحسن عملا ، إذا كان الكلّ بالتقدير والقضاء ؟ إذ مدار التكليف والسعي والجهد والوعيد والوعد على الاختيار لا على الإجبار والاضطرار ؟
قلنا : فائدة التكليف والوعد والوعيد ، تحصيل الشوق الذي هو مبدأ الإرادة