وقال في باب السادس والتسعين ومأتين « 1 » : « ولقد نبّهني الولد العزيز العارف شمس الدين إسماعيل بن سودكين التوري على أمر كان عندي « 2 » من غير الوجه الذي نبّهنا عليه هذا الولد ، وهو التجلّي في الفعل ، هل يصحّ أو لا يصحّ ؟ فوقتا كنت أنفيه بوجه ، ووقتا كنت أثبته بوجه يقتضيه التكليف إذ كان التكليف بالعمل لا يمكن أن يكون من حكيم يقول : « اعمل وافعل » لمن يعلم انّه لا يعمل ولا يفعل ، إذ لا قدرة له عليه .
وقد ثبت الأمر الإلهي بالعمل للعبد مثل قوله تعالى
وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ
[ 2 / 43 ] و
اصْبِرُوا وَصابِرُوا وَرابِطُوا
[ 3 / 200 ]
وَجاهِدُوا
[ 9 / 41 ] فلا بدّ أن يكون له في المنفعل عنه تعلّق من حيث الفعل فيه فيسمّى به فاعلا وعاملا ، وإذا كان هذا فبهذا القدر من النسبة يقع التجلّي فيه . فبهذا الطريق كنت أثبته . وهو طريق مرضيّ في غاية الوضوح يدلّ على أنّ القدرة الحادثة له نسبة تعلّق بما كلّفت عليه لا بدّ من ذلك ، ورأيت حجّة المخالف واهية في غاية من الضعف والاختلال .
ولمّا كان يوما فاوضني في هذه المسألة هذا الولد فقال لي : وأيّ دليل أقوى على نسبة الفعل إليه والتجلّي فيه إذا كان من صفته من كون الحقّ خلق الإنسان على صورته ، فلو جرّد عنه الفعل لما صحّ أن يكون على صورته ، ولما قبل التخلّق بالأسماء ، وقد صحّ عندكم وعند أهل الطريق بلا خلاف ، أنّ الإنسان مخلوق على الصورة ، وقد صحّ التخلّق بالأسماء ؟
فلا يقدر أحد أن يعرف ما يدخل عليّ من السرور بهذا التنبيه . فقد يستفيد الأستاذ من التلميذ أشياء من مواهب الحقّ تعالى لم يقض اللّه للأستاذ أن ينالها إلّا من التلميذ كما يعلم قطعا انّه قد يفتح للإنسان الكبير في أمر يسأله عن « 3 » بعض العامّة فيرزق العالم في ذلك الوقت لصدق اللسان « 4 » علم تلك المسألة ، ولم يكن عنده قبل ذلك عناية من اللّه بالسائل ان حصل للمسئول
هامش
( 1 ) الفتوحات المكية : 2 / 681 .
( 2 ) المصدر : كان عندي محققا .
( 3 ) المصدر : عنه .
( 4 ) المصدر : السائل .