عدله وحكمته ، أن يجمع الأنبياء والمرسلين والملائكة المقرّبين وعباده الصالحين فيخلّدهم في الجحيم والعذاب الأليم أبد الآبدين ، ويجمع الكفّار والملحدين والزنادقة والمنافقين وإبليس والشياطين ويخلّدهم في الجنة والنعيم دهر الداهرين . وزعموا ذلك إنصافا منه وعدلا ، وركبوا في ذلك مكابرة وجهلا ولعلّه قد كان لهم سلف صدرت منهم كلمات على سبيل الرمز والإشارة وما بلغت عقول هؤلاء على كنه أقوال أولئك الأوائل ، أو كان في عقول طائفة من رؤسائهم جهل وسفه أوجب مثل هذا الاعتقاد ، وجاء الخلف مقلّدوا للسلف محبّا للمنشأ وسنّة الآباء ، كما حكى اللّه عن أشباههم من الأخلاف الذين قلّدوا آراء الأشياخ والأسلاف حيث ذكر
إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ
[ 43 / 22 ]
أَ وَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ
[ 2 / 170 ] .
وإن كان ذلك كذلك فأيّ عذر بقي للمتأخّرين من الأحياء والأبناء في اتّباع السلف والآباء على الضلال في أمر لا يخفى على أدنى العقلاء ؟ فما أحسن ما يقرءونه في كتابهم :
ما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ
[ 6 / 91 ] لا واللّه ما قدروا حقّ قدره ، ولا هذا قدر جلالته وعظمته ، ولا جزاء إحسانه ونعمته .
والعجب أنّهم زعموا إنّ هذا ما عليه أكابر العرفاء ومحقّقوا الصوفيّة من القول بالتوحيد الأفعالي وليس كذلك ، كما يظهر من تتبّع كلماتهم وتصفّح مقالاتهم ، قال الشيخ العظيم محيي الدين الأعرابي في الباب التاسع عشر [ وثلاثمائة ] من الفتوحات المكيّة « 1 » : « إنّ رافع الأسباب سيّء الأدب مع اللّه ، ومن عزل من ولّاه اللّه تعالى فقد أساء الأدب وكذّب من عزل « 2 » ذلك الوالي فانظر ما أجهل من كفر بالأسباب وقال بتركها ، ومن ترك ما قرّره الحقّ فهو منازع لا عبد ، وجاهل لا عالم ، واني أعظك أن تكون من الجاهلين ، وأراك في مذهب
هامش
( 1 ) الفتوحات المكية ( 3 / 73 ) مع اختلافات أشرنا إلى ما أهم منها .
( 2 ) المصدر : في عزل .