تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم — صفحة 318

مساهمون:

ص٣١٨
منه الايمان يلزم الكذب على اللّه في كلامه ومن جهة العلم : إنّه تعالى علم منه في الأزل إنّه لا يؤمن . فلو آمن يلزم انقلاب علمه جهلا . وذلك محال ، فكذا ما يستلزمه ، فصدور الايمان منه محال وقد كلّف به . وأيضا الايمان يعتبر فيه التصديق بكلّ ما اخبر اللّه عنه ، ومن جملته : إنّهم لا يؤمنون . فقد صاروا مكلّفين بأن يؤمنوا بأنّهم لا يؤمنون ، وهذا تكليف بالجمع بين النفي والإثبات فهذه عمدة الوجوه التي تمسّك بها السلف من الأشاعرة في دفع أصول المعتزلة وهدم قوانينهم . وهم تفصّوا عن هذه الاحتجاجات إجمالا وتفصيلا . أمّا المقام الأول فبيان أنّ علم اللّه تعالى وخبره عن عدم الايمان ، لا يجوز أن يكون مانعا من الايمان لوجوه : الأول : إن القرآن مملو من الآيات الدالة على أن لا مانع لأحد من الايمان كما قال تعالى :
وَما مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جاءَهُمُ الْهُدى
[ 17 / 94 ] والكلام إنكار بصورة الاستفهام ، دالّ على أن المانع من أن يؤمنوا منتف في الواقع . وكقوله لإبليس :
ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ
[ 38 / 75 ] وقوله :
فَما لَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ
[ 84 / 20 ]
فَما لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ
[ 74 / 49 ] . والثاني إن اللّه تعالى قال :
رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ
[ 4 / 165 ] وقال :
وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْناهُمْ بِعَذابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقالُوا رَبَّنا لَوْ لا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آياتِكَ
[ 20 / 134 ] فقد تبيّن انه ما أبقى لهم عذرا إلا وقد أزاله عنهم . فلو كان علمه تعالى بكفرهم مانعا لهم عن الايمان لكان ذلك من أعظم الأعذار وأقوى الوجوه الدافعة لاستحقاقهم للعقاب . والتالي باطل ، فكذا المقدم . والثالث : انه ذكر في مقام الذم والزجر والتقبيح قوله
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ
الآية ، فلو كانوا ممنوعين عن الايمان غير قادرين عليه ، لما استحقوا التقبيح البتة ،