بل كانوا معذورين كالأعمى في أن لا يرى .
والرابع : إنّ القرآن إنّما انزل ليكون حجّة للّه ولرسوله عليهم ، لا أن يكون حجّة لهم على اللّه وعلى رسوله ، فلو كان العلم والخبر مانعين لكان لهم أن يقولوا : إنّما كفرنا لسبق القضاء على كفرنا وترك المقضيّ مستحيل فلم يطلب المحال منّا ولم يأمرنا بالمحال ؟ ! والخامس : إنّه لو كان علمه السابق بعدم الايمان مانعا عن الايمان ، لوجب أن لا يكون اللّه قادرا على شيء أصلا . والتالي باطل فكذا المقدم ، بيان الملازمة إنّ الذي علم وقوعه واجب والذي علم عدم وقوعه ممتنع ، وشيء من الواجب والممتنع لا يكون مقدورا إذ المصحّح للمقدوريّة هو الإمكان ، دون قسيميه .
والسادس : إنّ الأمر بالمحال سفه وعبث ، فلو جاز ورود الشرع به لجاز وروده بكلّ أنواع السفه ، فما كان يمنع وروده بإظهار المعجزة على يد الكاذب ، فلا يبقى وثوق بصحّة النبوّات ولا بصحّة القرآن وسائر الكتب . بل يجوز أن يكون الكلّ سفها وباطلا .
والسابع : لو جاز ورود الأمر بالمحال لجاز الأمر للأعمى برؤية النجوم في السماء ، والزمن بالطيران في الهواء ، ولو جاز ذلك لجاز بعثة الأنبياء عليهم السلام إلى الجمادات والعجماوات ، وإنزال الكتب والملائكة عليهما لتبليغ التكاليف حالا بعد حال ، ومعلوم انّ ذلك سخريّة وتلاعب بالدين .
قال صاحب بن عبّاد في فصل له في هذا الباب : كيف يأمره بالايمان وقد منعه منه ؟
وينهاه عن الكفر وقد حمله عليه ؟ وكيف يصرفهم عن الايمان ثمّ يقول
أَنَّى يُصْرَفُونَ
[ 40 / 69 ] ويخلق فيهم الإفك ثمّ يقول :
أَنَّى يُؤْفَكُونَ
[ 5 / 75 ] وأنشأ فيهم الكفر ثمّ يقول :
لِمَ تَكْفُرُونَ
[ 3 / 98 ] وخلق فيهم لبس الحق بالباطل ، ثمّ يقول :
وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْباطِلِ
[ 2 / 42 ] وصدّهم عن السبيل ثمّ يقول :
لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ
[ 3 / 99 ] وحال بينهم وبين الايمان ثمّ قال
وَما ذا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا
[ 4 / 39 ] وذهب بهم عن الرشد ثمّ قال :
فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ
[ 81 / 26 ] وأضلّهم عن