البدنيّة في الشواهد الربوبيّة « 1 » عند البحث عن تحقيق المعاد الجسماني ، فمن كانت نفسه واغلة الهمّة في الجنبة السافلة ، طفيفة الانجذاب إلى الجنبة العالية ، قليلة التوجّه إلى يمين الحقّ وعالم القدس ، لم يكن لجوهر قلبه سبيل إلى مطالعة الصور الغيبيّة إلّا من مسلك الحاسّة الظاهرة والاتّصال بالآلة البدنية وحضور المادّة الخارجيّة .
فأمّا إذا كانت نفسه قويّة العزيمة مجموعة الهمّة قدسيّة الفطرة نقيّة الجوهر بحسب جبلّتها المفطورة أو بحسب ملكتها المكسوبة ، وبالجملة شديدة الاستحقار لعالم الحسّ ، قاهرة القوّة على تسخير القوى وضبطها ، ذات سلطنة على خلع البدن ورفض الحواسّ الظاهرة والانصراف عنها إلى صقع الملكوت بإذن ربّها ، فهو مستغن بقوة نفسها المتخيّلة اللامنغمسة في قوى البدن عن استعمال الحواسّ الظاهرة .
فله أن يتلّقى الصورة الجزئية من معادنها الأصلية من غير استعانة بهذه الآلات ويقتدر على تصوير المعاني بصورها المقداريّة في عالم الصور الخالصة عن هذه الموادّ متى شاء وحيث شاء .
فمهما وجدت نفسه فرصة عن هذه الشواغل العارضة في اليقظة تخلص بقوّتها المتخيّلة عن جانب الطبيعة راجعة إلى عالمها متّصلة بأبيها المقدّس وهو روح القدس وبمن شاء اللّه تعالى من الأرواح المقدّسة ، ويستفيد من هناك العلم والحكمة بالانتقاش على سبيل الرشح أو العكس كمرآة مجلوّة حوذي بها شطر الشمس .
ولكن حيث انّ النفس تكون بعد في دار غربتها بالطبع ولم تنسلخ ولم ترتفع أذيالها بالكليّة عن علاقتها التدبيريّة لقواها البدنيّة وجنودها الحسيّة ، أو انّها لم تتجرّد عن عالم التمثّل بالكليّة وإن تجرّدت عن عالم المادّة بالكليّة ، فيكون منالها فيما تناله بحسب ذلك الشأن وتلك الدرجة تحوّل الملك الحامل للوحي على صورة متمثّلة في
هامش
( 1 ) راجع الشاهد الثاني من المشهد الثالث .