وقيل : لأنّ القرآن شيء واحد في الحكم ولأنّ المؤمن ببعضه مؤمن بكلّه .
وقيل « 1 » هذا من باب التغليب للموجود على ما لم يوجد ، والتنزيل للمنتظر المتوقّع وقوعه منزلة الواقع كما في قوله تعالى : إنّا سمعنا كتابا انزل من بعد موسى ، إذ الجنّ لم يسمعوا جميع القرآن ولم يكن الكتاب منزلا حينئذ كلّه .
والمراد بما أنزل من قبلك : سائر الكتب السماويّة السابقة ، والايمان بهما جميعا على الجملة فرض عين ، لعدم تحقّق الفلاح بدونه كما يستفاد من قوله : أولئك هم المفلحون .
وأمّا الايمان التفصيلي بالمعارف الإلهيّة المذكورة فيهما التي لا يتبدّل بتعاقب الزمان من علم التوحيد وعلم الملائكة وعلم المعاد وعلم النفس وعلم النبوّة والولاية والآيات وغيرها ، فليس بواجب على كل أحد فرض عين ، وإلّا للزم الحرج وبطل النظام وتشوّش أمر المعاش المتوقّف عليه أمر المعاد . بل هو واجب على الكفاية وعلى من هو ميسّر له ، وخلق لأجله وكذا العلم والايمان بأحكام الأول دون الثاني تفصيلا من جهة كوننا متعبّدين بتفاصيل أحكامه فرض على الكفاية لا غير لما ذكرنا .
فصل في كيفية إنزال الوحي على الأنبياء عليهم السلام
كما يجب علينا الايمان بالكتب الإلهيّة المنزلة على الأنبياء عليهم السلام ، فكذلك يجب على المؤمن ايمانا حقيقيّا بما أنزل إليهم من حيث كونه منزلا إليهم ، أن يعلم كيفيّة الإنزال والإيحاء وكيفيّة إرسال الأنبياء عليهم السلام وفي ذمّة العالم بتأويل القرآن ، أن يحاول هذا العلم ويتعاطاه . فمن الدائر على ألسنة جماعة من المفسّرين وغيرهم من المتكلّمين ، انّ المراد من إنزال الوحي انّ جبرئيل عليه السلام سمع في
هامش
( 1 ) الكشاف : 1 / 104 .