ليس كذلك ، وكانت الآيتان تفصيلا للمتّقين .
وإما أن يكون معطوفة على المتّقين فكأنّه قال : هدى للمتّقين عن الشرك وللّذين آمنوا من أهل الملل والطائفتان هما أهل التزكية وأهل التحلية .
وربما قيل « 1 » : إنّ قوله تعالى :
الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ
، وإن كان شاملا لأهل الكتاب وغيرهم ، إلا انّ دلالة العامّ على بعض ما دخل تحته ليس في القوّة كدلالة لفظ مخصوص به ، إذ العامّ ممّا يحتمل التخصيص بما سوى هذا البعض ، والخاصّ لا يحتمل ذلك . ولمّا كانت السورة مدنيّة وقد شرّف اللّه المسلمين بقوله : هدى للمتّقين الّذين يؤمنون بالغيب ذكر بعد ذلك مؤمني أهل الكتاب كعبد اللّه بن سلام ونظرائه في العلم واليقين بقوله :
والّذين يؤمنون بما انزل إليك - إلى آخره - لأنّ في هذا التخصيص بالذكر مزيد تشريف لهم كما في ذكر جبرئيل وميكائيل بعد الملائكة ، وترغيب لأمثالهم في الدين القويم والصراط المستقيم فهذا هو السبب في ذكر هذا الخاصّ بعد ذلك العامّ .
فصل
المراد بما انزل إليك ، صورة ألفاظ القرآن السمعيّة بأسرها نزولا سمعيّا في عالم الأشخاص والأجسام الغائبة عنّا ، وصورة معانيها العقليّة عن آخرها نزولا قلبيّا في عالم الأرواح القدسيّة ، وإنّما عبّر عن إنزالها بلفظ الماضي وإن كان بعضها ممّا يترقّب إنزاله ، لأنّ الأشياء المتجدّدة في موطن الدنيا ، المتعاقبة في أزمنة كثيرة منها إنّما هي مجتمعة ثابتة في المواطن العالية في زمان واحد دفعة واحدة . كما أشار اليه قوله تعالى
إِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ
[ 22 / 47 ] وقوله
لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيها بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ
[ 97 / 4 ] .
هامش
( 1 ) الفخر الرازي : 1 / 254 .