وهذا وإن كان إقناعيّا فهو ممّا يحكم به صاحب الحدس الصحيح بضرب من الشواهد والآثار وإليه الإشارة بقوله تعالى
أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ فِي حَياتِكُمُ الدُّنْيا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِها
[ 46 / 20 ] و
مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ
[ 42 / 20 ] .
قال النبي « 1 » صلّى اللّه عليه وآله : نفث روح القدس في روعي إنّ نفسا لن تموت حتّى تستكمل رزقها ألا فاتّقوا اللّه واجملوا في الطلب
و
قال أمير المؤمنين عليه السلام : « 2 » اعلموا علما يقينا إنّ اللّه لم يجعل للعبد وإن عظمت حيلته وقويت مكيدته واشتدّت طلبته ، أكثر مما سمّى له في الذكر الحكيم .
تذكرة فيها تبصرة [ الرزق وأقسامه ]
اعلم إنّ الرزق عند أهل الحقّ هو ما يتقوّى به الشخص وينمو ويزيد في تجوهره سواء كان من الجواهر الجسمانية أو الروحانية فللأرواح أيضا أغذية كما للأبدان .
وغذاء كلّ موجود من جنسه ومما يشابهه . فكما انّ غذاء الأبدان من جنسها وهو نيل المطعومات المحسوسة ، فغذاء العقول الإنسانيّة إدراك العلوم العقليّة . إذ بها حيوة تلك العقول وبها تكمل وتزيد وبفقدها تموت وتهلك ، وبحسب نقصانها تذبل وتضعف وإلى الرزق المعنوي العلمي وقعت الإشارة في قوله تعالى
وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقى
[ 20 / 131 ] .
ولهذا المعنى
أوّل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله اللبن بالعلم .
قال الفتح الموصلي :
أليس الرجل إذا منع عنه الطعام والشراب يموت ؟ قالوا : بلى ، قال : كذلك القلوب
هامش
( 1 ) ما يقرب منه في ابن ماجة : باب الاقتصاد في طلب المعيشة : 2 / 725 .
( 2 ) الكافي : كتاب المعيشة ، باب الإجمال في الطلب : 5 / 81 وفيه فروق .