فصل [ الأقوال في المراد من الغيب ]
فقوله تعالى : الّذين يؤمنون بالغيب ، إشارة إلى ما ذكر ، أي إنّهم يصدّقون تصديقا بالأشياء المرتفعة عن هذا العالم والخارجة عن مدركات الحسّ الظاهر ، كوجود الباري والملائكة واللوح والقلم والأمور الاخرويّة من الجنّة والنار والصراط والحساب والميزان ، وتطاير الكتب ونشر الصحف ، وأحوال القبر والبعث ، وأهوال المحشر وغير ذلك مما لا يستقلّ بإثباته عقول الخلائق بأنظارهم الفكريّة ، ودلائلهم النظريّة . وإنّما ينكشف بنور متابعة الشريعة والاقتباس من مشكاة الوحي والنبوّة .
والغيب في اللغة مصدر أقيم مقام اسم الفاعل ، كالصوم بمعنى الصائم ، والمفسّرون ذكروا في قوله : يؤمنون بالغيب ، وجهين « 1 » :
الأول : - وهو اختيار أبي مسلم الإصفهاني - أن يكون صفة للمؤمنين ، معناه انّهم يؤمنون باللّه حال الغيبة كما يؤمنون حال الحضور لا كالمنافقين الذين
إِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ
.
ونظيره قوله :
ذلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ
[ 12 / 52 ] ويقول الرجل لغيره : نعم الصديق لك فلان بظهر الغيب ، فكلّ ذلك مدح للمؤمنين بأنّ ظواهرهم توافق بواطنهم ، ومباينتهم لحال المنافقين الذين
يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ
أقول :
هذا القول لا يخلوا من ضعف وركاكة فإنّ سوق الكلام في هذا المقام من التأكيد في بيان عظمة القرآن بكونه كتابا من عند اللّه وعلما إلهيا لا يحويه الشكّ وحقّا لا يأتيه
هامش
( 1 ) تفسير الفخر الرازي : 1 / 250 .