وأمّا الأحوال - أعني صفاء القلب وطهارته من شوائب الدنيا وشواغل الخلق - فيعنى بها استحقاقه لحصول نور المعرفة واستعداده لانكشاف حقيقة الحقّ وصورة الحضرة الإلهيّة حتّى إذا تمّت طهارته وصقلت صفحة وجهه واجهته أنوار الكبرياء ، وحضرت عنده وانكشفت لديه حقائق الأشياء .
فقد ثبت انّ وجوب الأعمال الصالحة وترك القبائح ، لأجل إصلاح القلب وجلب الأحوال ، وتفاوتها في الفضيلة إتيانا وتركا ، بقدر تأثيرها في تطهير القلب وتهذيبه وإعداده لأن يحصل له المعرفة الإلهيّة والعلوم الكشفيّة .
وكما انّ تصقيل المرآة يحتاج إلى أعمال تتقدّم على تمام أحوال المرآة في صفائها وصقالتها وتلك الأعمال بعضها أقرب إلى الصقالة التامّة من بعض ، فكذلك الأعمال المورثة لأحوال القلب يترتّب في الفضيلة ترتّب الأحوال ، فالحالة القريبة أو المقرّبة من صفاء القلب ، هي أفضل مما دونها لا محالة بحسب قربها من المقصود الأصلي .
فكلّ عمل إما أن يجلب إلى القلب حالة مانعة من المكاشفة ، موجبة لظلمة القلب ، جاذبة إلى زخارف الدنيا . وأما أن يجلب إليه حالة مهيّئة للمكاشفة ، موجبة لصفاء القلب وقطع علاقته عن الدنيا . واسم الأول في عرف الشرع المعصية سواء كان فعلا أو تركا ، واسم الثاني الطاعة . فعلا كان أو تركا .
والمعاصي من حيث تأثيرها في ظلمة القلب وقساوته متفاوتة ، وكذا الطاعات في تنوير القلب وتصفيته فدرجاتها بحسب درجات تأثيرها . وذلك يختلف باختلاف الأزمان والأشخاص ، فربما كان قيام الليل لأحد أفضل من إيتاء الصدقات المتبرّعة وربما كان الأمر بالعكس من ذلك . وربما كان صوم ستّين يوما أفضل في باب الكفّارة من عتق رقبة كما للسلاطين والامراء من أهل الدنيا .
تفسير القرآن الكريم — صفحة 251
مساهمون: محمد خواجوى
ص٢٥١