فإذا تقرّرت هذه المقدّمات ، فقد علم إنّ الأصل في الايمان هو المعرفة بالجنان .
وأما العمل بالأركان فإنّما يعتبر لتوقّف المعرفة على إصلاح القلب وتهذيب الباطن وتلطيف السرّ وتوقّفها على فعل الحسنات وترك السيّئات .
ومما يدلّ على أنّ الايمان مجرّد العلم والتصديق وحده أمور :
الأول : إنّه تعالى أضاف الايمان إلى القلب فقال في حق المؤمنين
أُولئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ
[ 58 / 22 ] وفي حقّ المنافقين
الَّذِينَ قالُوا آمَنَّا بِأَفْواهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ
[ 5 / 41 ]
وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ
[ 49 / 14 ] وقوله :
وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ
[ 16 / 106 ] .
و
قال النبيّ « 1 » صلّى اللّه عليه وآله : الايمان سرّ وأشار إلى صدره - والإسلام علانية .
الثاني : إنّه تعالى كثيرا ما ذكر الايمان وقرن به العمل الصالح ولو كان داخلا فيه لكان ذكره تكرارا .
الثالث : إنّ كثيرا ما ذكر الايمان وقرنه بالمعاصي قال
الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ
[ 6 / 82 ] وقوله :
وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما فَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُما عَلَى الْأُخْرى فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي
[ 49 / 9 ] .
واحتجّ ابن عباس على هذا المطلب بقوله تعالى
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى
[ 2 / 178 ] من ثلاثة أوجه : أحدها : إنّما يجب القصاص على القاتل المتعمّد ، ثمّ إنّه خاطبه بالايمان فدلّ على أنّه مؤمن .
وثانيها :
فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ
[ 2 / 178 ] وهذه الاخوّة ليست إلا اخوّة الايمان لقوله تعالى :
إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ .
[ 49 / 10 ] .
وثالثها : قوله :
ذلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ
[ 2 / 178 ] وهذا لا يليق إلّا بالمؤمن ، ومن هذا القبيل قوله تعالى :
وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهاجِرُوا
جعلهم
هامش
( 1 ) في المسند ( 3 / 135 ) : « الإسلام علانية والايمان في القلب . . . »