سمّاها بالنيروزية ، إلى أنّ هذه الحروف أسماء للحقائق الذاتية بعضها لذات اللّه تعالى مطلقا ، وبعضها لذاته مضافة إلى ما أبدعه ، وبعضها لمبدعاته مطلقة ، وبعضها لها مضافة على الوجه الذي سنذكرها ، وأقسم اللّه بهذه الأشياء العظيمة تكريما وتعظيما .
ونحن اخترنا مذهبه وتتبّعنا إثر كلامه في هذا المرام .
فنقول : لا شبهة إنّ اللّه قد أوجد الموجودات المتأصّلة على ترتيب ونظام ، الأول والثاني والثالث على ترتيب مراتب العدد . لأنّه ليس في قوة الكثرة أن يظهر عنه تعالى أولا ، كما ليس في قوة الزمان أن يوجد عنه في آن دفعة ولا في استطاعة الجسم أن يتكوّن عنه مبدعا ، فالترتيب يرتقي بالكثير إلى الواحد الحقيقي بحيث لا ينثلم به وحدته .
وكما انّ الواحد مبدأ الأعداد والكثرات كلها على الترتيب الأبسط فالأبسط ، فكذلك الباري جلّ كبرياؤه مبدع الأشياء كلها على ترتيب الأبسط فالأبسط ، وهو فاعل الإنيّات المتأصّلة ، والأنواع الكاملة قبل شخصيّاتها الزمانيّة على الترتيب الإلهي الإبداعي والنظم الربّاني الأحدي أولا وثانيا وثالثا وكلّما كان الوجود فيه أشرف ، كانت الوحدة فيه أتمّ وكان في درجة الاستفادة للوجود أقدم ، وهكذا إلى أن ينتهى الترتيب النزولي إلى الموجودات الزمانيّة والمكانيّة من الجزئيّات المتكثرة في التشخّص ، المتّحدة في المعنى والحقيقة وهي بمنزلة ظلال وأشباح لما في العالم الأعلى الإلهي من الحقائق المتأصّلة التامّة ، التي لا ينفك تمامها عن بدوها .
وإذا سئلت عن شيء منها بما هو ولم هو ، كان الجواب عنهما واحدا ، لأنّه تامّ الوجود لا يعوزه شيء من وجوده ومن كمال وجوده عنه .
فلكلّ منها مرتبة خاصّة من الوجود لا يمكن أن يتعدّاه سابقا أولا حقا ، إذ كون كلّ منهما في مرتبته كالمقوّم لذاته ، وكما إنّ الأوليّة عين ذات المبدأ تعالى ، فكذا الثانويّة للموجود الذي بعده بعديّة ذاتيّة والثالثيّة للموجود الذي بعده بوسط واحد ، بعديّة
تفسير القرآن الكريم — صفحة 216
مساهمون: محمد خواجوى
ص٢١٦