تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم — صفحة 164

مساهمون:

ص١٦٤
الكتاب الكبير الجامع الذي لا رطب ولا يابس إلّا ويوجد فيه ، ولا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلّا أحصاها . كما قيل :
من كلّ أمر لبّه ولطيفه * مستودع في هذه المجموعة
فكذلك فاتحة الكتاب مع قصرها وو جازتها يوجد فيها مجامع مقاصد القرآن وأسرارها وأنوارها وليس لغيرها من سائر السور القرآنيّة هذه الجامعيّة كما ليس لواحد من صور أجزاء العالم ما للإنسان من صورة الجمعيّة الإلهيّة على ما قيل :
ليس من اللّه بمستنكر * أن يجمع العالم في واحد
والعارف المحقّق يفهم من هذه السورة الواحدة جميع المعارف والعلوم الكليّة المنتشرة في آيات القرآن وسوره كما وقع التنبيه عليه . ومن لم يفهم هذه السورة على وجه يستنبط منها عمدة أسرار العلوم الإلهيّة والمعالم الربّانيّة من أحوال المبدإ والمعاد وعلم النفس وما بعدها وما فوقها الذي هو مفتاح سائر العلوم كلّها ، فليس هو بعالم ربّاني ولا مهتد بتفسيرها على وجهه . ولو لم يكن هذه السورة مشتملة كما قلنا على أسرار المبدإ والمعاد وعلم سلوك الإنسان إلى ربّه لما وردت الأخبار على فضلها وأنّها تعادل كلّ القرآن إذ لا مرتبة ولا فضيلة لشيء بالحقيقة إلّا بسبب اشتماله على الأمور الإلهيّة وأحوالها كما مرّ مرارا . ولو أنّ إنسانا أراد أن يعلم انّ أي الأشياء هو أفضل ما به يتقرّب العبد إلى اللّه تعالى ، وأيّها إكسير السعادة الاخرويّة التي يجعل حديد قلب الإنسان ذهبا خالصا وإبريزا صافيا يليق أن يتختم به يد الملك ويختم به خزائنه الشريفة ، فليتامّل وليذعن ان ذلك يجب أن يكون من الأمور التي أنزلها اللّه على قلب بشر ويجب أن يكون ذلك الشيء من قبيل ما يوجد في كتب الأنبياء سلام اللّه عليهم وخزائن أسرارهم ، والذي أفاض على قلوبهم من العلوم والمعارف . ولا بدّ أن يكون النبيّ الذي أوحى اللّه إليه بهذا الأمر الذي هو أشرف ما يستكمل