فقد ظهر انّ فعلية الوجود وتأكّده في الجملة لا ينافيان الشقاوة بإدراك الآلام الحاصلة من الكفر والمعاصي وكذا الرجوع الاضطراري إلى الحضرة الإلهيّة لا ينافي الشقاوة والعذاب فإنّ أنوار النفوس الإنسانيّة إنّما هبطت كالكواكب إلى هذا القالب الفاني مدّة هذه الكون الجسماني وغربت فيه ، وستطلع عند خراب القالب وانقطاع عمره وبوار نشأته من مغربها إلى مشرقها الأصلي وخالقها وباريها إمّا مظلمة منكسفة وإمّا زاهرة مشرقة .
والزاهرة المشرقة غير محجوبة عن الحضرة الإلهيّة والمظلمة أيضا راجعة إلى الحضرة إذا المرجع والمصير للكلّ إليه كما مرّ إلا انّها ناكسة الرؤوس عن جهة أعلى علّيين إلى جهة أسفل سافلين منقلبة الوجود إلى الدنيا ولذّاتها وطيّباتها التي هي بعينها منشأ آلام الآخرة وخبثياتها .
أو لا ترى النبات في نموّه ونشؤه يتقارب إلى عالم السماء والضياء إلا انّه منكوس الرأس 145 متوجّه نحو السفل ولذلك قال تعالى
وَلَوْ تَرى إِذِ الْمُجْرِمُونَ ناكِسُوا رُؤُسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ
فبيّن انّ نفوس الأشقياء أيضا عند ربّهم إلا انّهم منكوسون منحوسون قد انقلبت وجوههم إلى أقفيتهم وانتكست رؤسهم عن جهة فوق إلى جهة تحت وذلك حكم اللّه وقضاؤه فيمن حرّمه توفيقه ولم يهد له سلوك صراط المستقيم نعوذ باللّه من الضلال والعدول عن منهج أهل الكمال .
فإن قلت : إذا كان الكلّ مفطورة على حبّه تعالى وطلبه والتشوّق إليه فما سبب تفاوت هذه النفوس الإنسانيّة في الهداية والضلال والطاعة والمعصية ؟
قلنا : لتفاوتها في الصفاء والكدورة والقوّة والضعف والشرافة والخسّة وبحسب ما يتفّق لها من الأسباب البدنية والأحوال الدنيويّة من الاستعدادات الماديّة والعوارض الاتفاقية المتسلسلة المنتهيّة إلى الأمور العلوية والقضاء السابق الأزلي .