قد يخرج على غير الوجه الذي يقتضى تكوين النشأة الحيوانيّة منه . فإذا دخل في باب الحيوانيّة تضاعفت حاجته إلى الحفظ والتربية والصيانة والحراسة من الآفات والمضادّات لواحد واحد من أعضائه وقواه الحيوانيّة بعد قواه النباتية فهو مفتقر إلى الهداية والتوفيق ونعمة السلامة والحراسة والرعاية في كل مرتبة مرتبة وصورة صورة ونشأة نشأة إلى حال مسقط النطفة وحال الولادة ، فهو مفتقر إلى أن يخرجه اللّه مخرجا صدقا ويدخله مدخلا كريما من حيث ظاهره وباطنه .
فالمختصّان بمسقط النطفة حال التوليد من أحكام الزمان والمكان شاهدان طيّ كثير من أحواله الباطنة ، والمختصّان بمسقط الرأس حال الولادة شاهدان على معظم أحواله الظاهرة وسرّ الابتداء في السلوك إلى جانب الحق . فالعادة الإلهيّة جارية بأنّ من اختصّ بمزيد العناية ونعمة الحراسة وأثر الإختصاص من بداية أمره وشروعه من منبع المشيّة الإلهيّة إلى هذا المقام وهو مقام العقل والتكليف والدعوة أن يهديه إلى صراطه ويسوقه إلى تمام النعمة وغاية الحكمة وغاية الإيجاد وزينة المعاد [ العباد - ن ] وصورة الكمال الوجودي . فأين من يكون أحديّ السير من حين صدوره من غيب الحقّ إلى عرصة الوجود العيني والنزول الكوني لم يتعوق من حيث حقيقته وروحانيّته في عالم من العوالم ونشأة من النشآت وحضرة من الحضرات ممن يتعوّق ويتردّد لتصادم الموانع والآفات ، ويتكرّر ولوجه وخروجه المقتضيان لكثافة حجبه وكثرة تقلّبه في المحن والعوائق - نعوذ باللّه منها .
فقوله تعالى : اهدنا الصّراط المستقيم ، بيان للمعونة المطلوبة في الآية السابقة فكأنّه قال : كيف أعينكم ؟ فقالوا : اهدنا فهذه الآية وما يتلوها كالأجوبة لأسئلة ربّانية كما قال بعض العرفاء : « 1 » فكأنّ لسان الربوبيّة 101 يقول عند قول العبد اهدنا الصراط : أيّ صراط تعنى ؟ فالصراطات كثيرة وكلّها لي لما تقرّر واشتهر انّ الطرق إلى اللّه بعدد أنفاس
هامش
( 1 ) اعجاز البيان للقونوى : 448 .