وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ
[ 29 / 69 ] فالمطلوب هاهنا إمّا زيادة ما منحوه من الهدى أو الثبات عليه أو حصول المراتب المرتّبة عليه ، فإذا قال العارف الواصل : اهدنا عنى أرشدنا طريق السير فيك لتمحو عنّا ظلمات أحوالنا وتميط غواشي أبداننا لنستضيء بنور قدسك فنراك بنورك .
مكاشفة [ الصراط ومرور الإنسان عليه ]
اعلم إنّ معرفة حقيقة الصراط واستقامتها والمرور عليه والضلال عنه من المعارف القرآنيّة التي يختص بدركها أهل المكاشفة والمشاهدة وليس لغيرهم من سائر المسلمين إلّا مجرّد التصديق والإذعان به تسليما وايمانا بالغيب لا ببصيرة حاصلة من نور اليقين ونعم ما قيل : من لا كشف له لا علم له .
واللمعة اليسيرة من هذا العلم :
هي إنّ الموجودات الممكنة منقسمة إلى قائمة ومتحركة . والعبارة من الأولى عالم الأمر والقضاء والإرادة
وَما أَمْرُنا إِلَّا واحِدَةٌ
[ 54 / 50 ] ومنه نشأ الملائكة المقرّبون القائمون بأمره تعالى في منازلهم ومراتبهم المفطورون على كمالهم الأصلي ، لا يتعدّونه كل له مقام معلوم منهم سجود لا يركعون ومنهم ركوع لا يسجدون . والعبارة من الثانية عالم الخلق والفعل 98 والتقدير . قال :
كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنا إِنَّا كُنَّا فاعِلِينَ
[ 21 / 104 ] وعالم الخلق دائم الحركة والانتقال والحدوث والزوال ونحن قد أقمنا البرهان على تجدّد الطبائع الجسميّة وسيلان الجواهر الماديّة برهانا قطعيّا وبيّنا إن غاية جميع هذه الحركات والانقلابات الإراديّة والطبيعيّة هو اللّه تعالى وانّ جميع الموجودات العالية والسافلة يتوجّهون نحوه ويولّون شطره بما يسرى إليهم من نور عشقه وفيض رحمته . وهذا المعنى ممّا