يمكن إدراكه بالحدس والتجربة لما نشاهد من كلّ موجود نراه شوقا إلى ما هو أعلى منه وحركة إلى ما يشتاقه ويتمنّاه ومعاد كلّ موجود إلى ما هو مبدأه ومرجعه إلى ما هو منشأه وكلّ ما هو أعلى مبدءا يكون أرفع غاية وأشرف مآبا ومرجعا فمرجع العنصر إلى العنصر كماء المطر انفصل من البحر أولا واتّصل به ثانيا كان بحرا ثمّ بخارا ، ثمّ انعقد سحابا ، ثم تقاطر أمطارا ، ثم جرى عيونا وأنهارا ، ثمّ اتّصل بالبحر فصار بحرا كما كان بعد أن تطوّر أطوارا وكذا مرجع النبات مع زيادة منزلة وبركة كحال الحبّة في تقاليب الأطوار إلى أن يبلغ مرتبة الثمار فيبتدي أوّلها وهو لبّ يدفن في الأرض وكاد أن يفسد ويغيب عن ذاته في الأماكن الغريبة ، ثمّ أفادها اللّه قوّة محرّكة يستحيل بها من حال إلى حال حتّى ينتهى إلى كمالها الأصلي فيبلغ إلى درجة اللبّ الذي كانت عليها في بدؤ أمره مع أعداد كثيرة من أفراد نوعه وفوائد زائدة من القشور والأنوار والأوراق والأزهار . وكذلك حال الحيوان فهو أعظم قوسا في العروج إلى اللّه وأبعد نزولا وصعودا من النبات وصورة الأركان
ما مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ
[ 11 / 56 ] وأمّا الإنسان - أي الحقيقي لا الصوري - فهو الغاية والمقصود الأصلي من جميع الخلائق والأكوان ولأجله خلقت المكوّنات وترتّبت الموجودات ونشأت المواليد والآباء والامّهات . فمنازل سيره وصعوده إلى اللّه واقعة على النصف الصعودي لدائرة الإمكان على عكس مراتب نزوله من عند اللّه الواقعة على النصف النزولي لهذه الدائرة ، وذلك لأن اللّه مبدأه ومعاده وهو المهتدي المنعم عليه المعتنى به من أوّل الأمر إلى آخر العهد فلم يزل الإنسان الذي سبقت له المشيّة الأزليّة أن يستعمله اللّه لسياقة حكمته إلى غايتها منظورا إليه في سائر مراتب الاستيداع من حيث أفراد الإرادة المنبعثة عن العلم الأزلي في مقام العلم الأعلى العقلي ، ثمّ في مقام اللوح النفسي ثمّ في مرتبة الطبيعة باعتبار