يقول : « لا إله إلّا اللّه » توحيد العوام و « لا إله إلّا هو » توحيد الخواصّ و « لا هو إلّا هو » توحيد أخصّ الخواصّ ولقد استحسنت هذا الكلام وقرّرته بالقرآن والبرهان . أمّا القرآن فإنّه تعالى قال :
وَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ
[ 28 / 88 ] ثمّ قال بعد ذلك
كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ
معناه « لا هو » وقوله
إِلَّا وَجْهَهُ
« الا هو » فقد ذكر « لا هو إلّا هو » بعد قوله لا إله إلّا هو يدلّ على أنّ غاية التوحيد هي هذه الكلمة .
وأما البرهان فهو إنّ من الناس من قال : تأثير الفاعل ليس في تحقيق المهيّة وتكوينها ، بل لا تأثير له إلّا في إعطاء صفة الوجود لها فقلت : فالوجود أيضا مهيّة فوجب أن لا يكون الوجود واقعا بتأثيره . فإن التزموا ذلك وقالوا : الواقع بتأثير الفاعل هو موصوفيّة المهيّة بالوجود فنقول تلك الموصوفيّة إن لم تكن مفهوما مغايرا للمهيّة والوجود امتنع إسنادها إلى الفاعل وإن كان مفهوما مغايرا فذلك المفهوم لا بدّ وأن يكون له مهيّة وحينئذ يعود الكلام فثبت انّ المؤثر مؤثّر في الماهيّة وكلّ ما بالغير فإنّه يرتفع بارتفاع الغير فلو لا المؤثّر لم يكن تلك المهيّة مهيّة ولا حقيقة فبقدرته صارت المهيّات مهيّات وصارت الحقائق حقائق وقبل تأثير قدرته فلا مهيّة ولا وجود ولا حقيقة ولا ثبوت وعند هذا يظهر صدق قولنا : لا هو إلّا هو . اي لا تقرّر لشيء من الحقائق إلّا بتقريره وتحقيقه . فثبت إنّه لا هو إلّا هو .
أقول وبالله التوفيق :
اعلم إنّ مقام التوحيد الخاصّ الذي عليه الأولياء الكاملون والعرفاء المحقّقون أعلى درجة وأشمخ شهوقا من أن يناله أرباب الأنظار الجزئيّة بقوّة أنظارهم وأصحاب المباحث الكلاميّة بدقّة أفكارهم ومن زعم إنّه بقوّة مهارته في تحرير المقالات وتقرير الإشكالات والأجوبة عن بعض الإيرادات وبيان بعض المسائل والشبهات يمكنه الوصول إلى فهم مسائل هذا التوحيد ومكاشفات إخوان التجريد فقد استسمن ذا ورم . ومثله كالزمن إذا أراد أن يطير في الجوّ ومثل من أراد أن يثبت هذا المقصد الغالي ويصل