الذي ليس فعله إلّا على سبيل الرشح والفيض .
والثاني : إن الرجل إذا أخذ يمدح سلطانا قاهرا يملك وجه الأرض برّا وبحرا بأنّه أعطى الفقير الفلاني كسرة خبز وقطرة ماء فإنّه يستوجب المقت والزجر والحجر ومعلوم انّ نسبة جميع المخلوقات من الفرش إلى العرش إلى ما في خزائن اللّه - لكونها نسبة متناه إلى غير متناه - أقلّ من نسبة كسر الخبز وقطرة الماء إلى جميع خزائن الدنيا فإذا كان ذلك سوء أدب فهذا بالطريق الأولى إلا انّ هاهنا سببا يرخّص في ذكر هذه المدائح وهو انّ النفس صارت مستغرقة في عالم الحسّ والخيال وإذا أريد جذبها إلى عتبة عالم القدس احتيج إلى أن يتنبّه على كمال الحضرة المقدّسة ولا سبيل إلى معرفة كمال اللّه وجلاله إلّا بهذين الطريقين أعني ذكر صفات الجلال وصفات الإكرام .
ثمّ إذا واظب الإنسان على هذين النوعين من الأذكار حتى يعرض عن عالم الحسّ ويستأنس الوقوف على عتبة القدس فبعد ذلك تنبّه لما في هذين النوعين من الاعتراضات المذكورة والحجب الظلمانيّة فعند ذلك يترك الأذكار ويقول : يا هو يا من لا هو إلّا هو .
كأنّه يقول حضرتك أجلّ من أن أمدحك بشيء غيرك فلا اثنى عليك إلا بهويّتك من حيث هي ولا أخاطبك بلفظ أنت لأنّه يفيد الفخر والكبر حيث تقول الروح إنّي قد بلغت مبلغا صرت كالحاضر في حضرة واجب الوجود ولكنّي لا أزيد على قولي هو ليكون إقرارا بأنّه هو الممدوح لذاته في ذاته وإقرارا بأن حضرته أعلى وأجلّ من أن يناسبه حضور المخلوقات ولو فرض عند حضرته حضور عبد أو ملك مقرّب أو نبيّ مرسل فحيث يمتنع له الإحاطة والاكتناه به تعالى إذ بقدر قوّة وجوده يشاهد ذاته تعالى ، وذاته في شدة النوريّة فوق ما لا يتناهى بما لا يتناهى فما غاب عنه من ذاته أكثر بما لا يتناهى ممّا هو مشهود له فهو سبحانه غائب بحقيقته التامّة البسيطة عن الكلّ مع فرض شهودها إيّاه فلهذا يكون هذا الذكر أشرف الأذكار لاحتوائه على هذه الأسرار لكن بشرط التنبّه لها .
تفسير القرآن الكريم — صفحة 44
مساهمون: محمد خواجوى
ص٤٤