تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم — صفحة 36

مساهمون:

ص٣٦
وليس من هذا القبيل اتّحاد المعاني والأعيان الكليّة بحقيقة الوجود إذ لا يمكن لها ضرب آخر من الوجود معرّى عن الوجود أو منحازا عنه لا في نفس الأمر ولا عند العقل . فالمعيّة بين ذات اللّه وأسمائه الحسنى ليست كالمعيّة بين العرضي والذاتي ، فضلا عمّا هو بين العرض والجوهر 9 ولا كمعيّة الذاتيات في المهيات الامكانية لأن الحقّ ليس ذا مهية كلية بل حقيقته ليست إلا وجودا مقدسا بسيطا صرفا لا اسم له ولا رسم ولا إشارة إليه إلا بصريح العرفان ولا حدّ له 10 ولا برهان عليه إلا بنور العيان وهو البرهان على كلّ شيء والشاهد في كل عين فمعنى كون أسمائه وصفاته عين ذاته كما مرّ إنّ الذات الأحديّة بحسب نفس هويّته الغيبيّة ومرتبة إنيّته الوجوديّة مع قطع النظر عن انضمام أيّ معنى أو اعتبار أيّ أمر كان بحيث يصدق في حقّه هذه الأوصاف الكماليّة والنعوت الجماليّة ويظهر من نور ذاته في حد ذاته هذه المحامد القدسية ويتراءى في شمس وجهه هذه الجلايا النوريّة والأخلاق الكريمة العليّة وهي في حدود أنفسها مع قطع النظر عن نور وجهه وشعاع ذاته لا ثبوت لها ولا شيئيّة أصلا فهي بمنزلة ظلال وعكوس تتمثّل في الأوهام والحواسّ من شيء وكذلك حكم الأعيان الثابتة وحكم المعاني الذاتيّة لكلّ موجود . فجميع الأعيان المعقولة والطبائع الكلية ما هي عند التحقيق إلّا نقوش وعلامات دالّة على أنحاء الوجودات الإمكانية التي هي من رشحات بحر الحقيقة الواجبيّة وأشعّة شمس الوجود المطلق ومظاهر أسمائه وصفاته ومجالي جماله وجلاله ، وأمّا نفس تلك الأعيان والمهيات منحازة عن الوجودات الخاصّة فلا وجود لها أصلا لا عينا ولا عقلا . بل أسماء فقط كما في قوله :
إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْماءٌ سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ ما أَنْزَلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ
[ 53 / 23 ] . ولعلّ الكلام انجرّ إلى ما لا يطيق سماعه أسماع الأنام ويضيق عن فهمه نطاق الأفهام .