الأنبياء عليهم السلام ومن يحذو حذوهم من الأولياء كانوا أبدا في الاستعاذة بالله من شر شياطين الانس والجن .
وأما الأخبار في ذلك فأكثر من أن يحصى وأظهر من أن يخفى .
واعلم إن المستعيذ هو النفس الجزئية للإنسان الجزئي من الشرور العارضة لها في هذا العالم من جهة اقترانها بهذه الأشياء الجسمانية ذوات التقدير الواقعة في صقع القدر . وأما عالم القضاء الإلهى وعالم الأمر الربّاني وكلمات الله التامّات فهي بريئة من كل الوجوه عن الشرور والآفات . وأما النفس الناطقة العاقلة للمعقولات ، الراجعة إلى ذاتها ، المرتبطة إلى ربّها فهي متبرئة الذات عن لحوق الشريّة بها ، فلا حاجة لها إلى العوذ والإعاذة . فإن كلّ راجع إلى ذاته أمر روحاني عقلي . وكل أمر عقلي فهو موجود في عالم الأمر والقضاء ، مجرد عن عالم الخلق والمساحة والتقدير . وكل ما هو كذلك فلا يزاحمه شيء مزاحم ولا يصادمه ضدّ مصادم فيكون على كماله الأتمّ الملائم لذاته من غير عائق ودافع ومن هاهنا علم إن الشيطان ليس من المجردات ، وإلا لم يكن مزاحما لأحد ولا مصادما لشيء ولم يكن شرا لشيء ولا هو بنفسه أيضا ذا شرّ وآفة وطرد .
الركن الرابع في المستعاذ منه
لما علمت إن المستعاذ منه من الأمور القدرية الواقعة تحت القضاء في عالم الخلق والتقدير من ذوات الشرور اللازمة أو العارضة سواء كانت من الأشياء الضارّة الداخلة في باطن الإنسان وإهابه كقواه المدركة والمحركة التي رئيسها القوة الوهميّة المطيعة لإغواء الشيطان ووساوسها الباطلة المذعنة له في قضاياه الكاذبة الاعتقادية وغيرها المغترّة بما يورده عليها من باب الوعد بالشر والإيعاد بالخير والأمر بالمنكرات والنهي عن المعروفات وغير ذلك من الأماني والآمال أو كانت من الأشياء الضارّة الخارجة عنه سواء كانت