تنبيه [ انتهاء مقام الاستعاذة ]
ثمّ لا يخفيّن « 1 » عن فطانتك إن قول العبد « أعوذ بكلمات اللّه التامّات » من حيث هي موجودات متغايرات غيريات إنما يلائم له ويليق به إذا كان بعد غير واصل إلى صفو العبودية ومقام الرجوع التام ويكون قد بقي في نظره التفات إلى غير اللّه . فهو بعد مريد نفسه وقاصد حظّه وأما إذا تغلغل في بحر التوحيد وتوغّل في بحر الحقائق وصار بحيث لا يرى في الوجود إلا الله الواحد لم يستعذ إلّا باللّه ولم يلتجئ إلا إليه ولم يعوّل إلا عليه فلا جرم يقول : أعوذ بالله . وأعوذ من اللّه [ باللّه ] . كما
قال النبي « 2 » صلّى اللّه عليه وآله : أعوذ بك منك .
ثمّ اعلم إن في هذا المقام أيضا يكون العبد مما قد بقي في قلبه اشتغال بغير اللّه ومقام الأنبياء والأولياء - صلوات الله عليهم السلام - أعلى وأجلّ من هذا المقام وإنما يجرى منهم الاستعاذة والدعاء والمناجاة وما يجرى مجراه إما تعليما للامّة . وأما عند نزولهم أحيانا إلى مقام البشرية ومباشرة الخلق ما داموا في هذه الحياة الدنياوية . وذلك لأن مرتبتهم أعلى من أن يشتغلوا بالمناجاة وأن يستعيذوا بالله من الشدائد . لأن من كان في هذه المرتبة كانت قبلته في دعائه واستعاذته طلب راحة لنفسه أو دفع أذى عنه . فهو بعد أسير الهوى معتكف على طلب ما هو الأولى لنفسه . تارة يعتريه الخوف وتارة يسلبه الرجا . وهذه كلّها اشتغال بغير الله . فإذا ترقى العبد عن هذا المقام وفنى عن نفسه وفنى أيضا عن فنائه عن نفسه فهيهنا يترقى عن مقام الاستعاذة ويصير مستغرقا في نور البسملة . ألا ترى
إنّ رسول الله - صلى الله عليه وآله لما قال في سجوده : أعوذ بك منك .
ترقى عن هذا المقام فقال : أنت كما أثنيت على نفسك .
هامش
( 1 ) ن : ثم لا يخبئن .
( 2 ) أبو داود : كتاب الصلاة ، باب الدعاء في الركوع والسجود : 1 / 232 .