لوازم خيريّته المطلقة الصادرة منه بالقصد الأول . وأوّل الموجودات الصادرة منه هو عالم أمره وقضائه وليس فيه شرّ أصلا كما مرّ اللّهم إلّا ما صار مخفيّا تحت سطوع النور الأوّل . وهي الكدورة اللازمة لماهيّات الممكنات ، الناشئة من قصور هويّاتها الوجودية عن الهويّة الإلهية ثم بعد ذلك تتأدّى الأسباب بمصادماتها إلى شرور لازمة عنها بحسب نفوذ قضائه الأول في قدره اللاحق . فلذلك قال : من شرّ ما خلق . فجعل الشرفي ناحية الخلق والتقدير جملة لأن عالم الأمر خير كلّه كما مرّ فأمر نبيّه بالاستعاذة من موجودات عالم الأجسام على الجملة .
ثمّ عمد إلى ما هو أخصّ منها في الشرية وأمر نبيّه بالاستعاذة منه وقال
مِنْ شَرِّ غاسِقٍ إِذا وَقَبَ
والمراد به مبادي الشرور الداخلة في بدن الإنسان من الغواسق الجسمانية والقوى الظلمانية فإن النفس الإنسانية النطقية خلقت في جوهرها نقيّة صافية قابلة لأنوار الحقائق وصورها الحقّة ، منزّهة عن الكدورات المادية كما علمت وتلك اللطافة والأنوار لا تزول عنها إلا بهيئات ترتسم في جوهرها من مقارنة هذه القوى الداخلة في مادة بدنها ، فيكون تلك الظلمة متجددة عليها من هذه الغواسق الظلمانية .
ثم لما ذكر ذلك أولا عقّب ذكرها بما هو أخصّ منها في الشرية وهي القوى النباتية بخصوصها فقال : من شرّ النفّاثات في العقد . فان هذه القوى وهي من سدنة ميكائيل موكّلة لتدبير البدن ونشؤه ونموّه وارتزاقه واغتذائه . والبدن عقدة حصلت من انعقاد بين العناصر المختلفة المتداعية إلى الانفكاك والنفّاثات فيها الموجبة لازدياد مقدارها هي القوى النباتية ، لأن النفث سبب لأن يصير جوهر الشيء زائدا في المقدار في جميع جهاته ثمّ أشار إلى القوى الحيوانية بقوله : ومن شرّ حاسد إذا حسد . فإن أصل الحسد إنما ينبعث من النزاع الحاصل بين القوى الحيوانية البدنية الموجبة للغلبة والرياسة والشهوة وبين النفس الناطقة المدركة لعواقب الأمور .