موجودات مقدسة روحانية أمريّة هي وسائط بين اللّه وبين الأكوان الخلقية ، وبها نفاذ علمه وقدرته وسريان مشيته وإرادته في الكائنات بحيث يستحيل أن يعرض له مانع أو عائق .
وقد مر في المفاتيح إن كلامه الأمري واجب الامتثال ، وأمره التكويني حتميّ القبول لازم السمع والطاعة ، ولا شك إنه لا يحسن الاستعاذة باللّه إلا لكونه حكيما متقنا في الأفعال ، نافذ المشيّة قاهرا في الأقوال وإنما وقع الاستعاذة بكلمات اللّه التي هي من عالم الأمر والنور من الشرور ، لأنها بريئة من كل شر وقصور وآفة ودثور ، بخلاف ما في عالم الخلق فإن الأجسام وما يتعلق بها ممنوّة بالآفات والشرور فوجب الاستعاذة من شرّ ما خلق بما في عالم الأمر .
فقوله عليه السلام : أعوذ بكلمات اللّه التامات كلّها من شرّ ما خلق استعانة من الأرواح البشرية بالأرواح العالية المقدسة في دفع شرور الأرواح الخبيثة الظلمانية الكدرة .
والدليل على أن المراد بكلمات اللّه هي الوجودات العقلية المحضة الإلهيةّ إنّها قد وصفت بالتامّات فإنّ الموجود إما ناقص أو مستكف أو تامّ أو فوق التمام فالأول هو كالأجسام وما يحلّها . والمستكفي كالنفوس الفلكية ونفوس الأنبياء عليهم السلام ما داموا في هذه العالم حيث انّها لم يفتقر في كمالها إلى سبب خارج عن مقوّم ذاتها . والتامّ هو كالعقول المفارقة ، حيث لم يكن لها كمال مرتقب وتمام منتظر ، وإنّما تمام كل منها معه وغايته لا يفارقه وهو مبدعها ومنشئها والمتكلم بها . فاللّه جلّت وعظمت كلمته فوق التمام وغاية الغاية إذ به تمام كل شيء وحيوة كل حيّ ونور كل ذي ضوء وفيء ودواء كل مرض وعيّ .
وهاهنا دقيقة وهي إنّ الجسمانيات - جواهرها وأعراضها القارة وغيرها وطبائعها وآثارها الطبيعية - لا تكون حدوثها إلّا تدريجيا شيئا فشيئا . كالحركة التي هي الخروج من القوة إلى الفعل يسيرا يسيرا فأما الإبداعيات فإنما يحصل تكوّنها وخروجها إلى الفعل دفعة كما قال
وَما أَمْرُنا إِلَّا واحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ
[ 54 / 50 ] ومتى كان الأمر كذلك