وروى : من حمى مؤمنا من منافق يغتابه بعث اللّه له ملكا يحمى لحمه يوم القيامة من نار جهنم ، ولو ردت كلمة سفيه في فيه لسعد بها رادّها ، كما سعد بها قائلها .
وبواعث الغيبة التشكى ، وموافقة ونحوها لذا كرها ، أو رفعة لنفسه أو حسد أو لعب ، ومتى رأى عيبا حرم التصديق ما احتمل تأويلا ، ومتى تحقّق نصح حتما ، وسكت سترا للنهي عن المتلفّظ به ، فاعلا أو مفعولا حيث قال :
« بَعْضُكُمْ بَعْضاً »
.
وتشبيه المغتاب بآكل الميتة « 1 » وهو منفّر طبعا وشرعا ، والإتيان بهمزة الإنكار ، ثم بلفظ المحبة ، ثم بقوله :
« أَحَدُكُمْ »
كأنه يقول : هل يوجد في العالم أحد يحبّ أكل الميتة ؛ ثم المبالغة بلحم الأخ ، ثم بأكله . وجه المناسبة إدارة حنكه ؛ فالغيبة كالأكل ، ثم بقوله : ميتا ؛ فإنه أبلغ في النفرة ، ثم التأكيد بقوله : فكرهتموه ، ثم التعريف بأن من التقوى ترك ذلك ، ثم التحريض على التوبة بقوله :
«
« 2 »
وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ »
.
قال أبو علي الفارسي : كراهة هذا اللحم يدعو إليها الطبع ، وكراهة الغيبة يدعو إليها العقل ، وهو أحقّ أن يجاب ؛ لأنه بصير عالم ، والطبع أعمى جاهل .
وصحّ إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام ، ونواهيها مشهورة جدّا ، فما ظنّك بكلمة لا تسلم منها بتوبة للمظلمة حتى تبرأ ؛ فهي أشدّ على النفس من الربا والزنى ، وتنقل حسناتك لغيرك ، وتعذّب بذنوبه التي تحملتها بغيبته ، وعرّضتك لسخط اللّه ومقته ، وكان تعالى فيها خصيمك .
هامش
( 1 ) في الآية نفسها ( 12 ) : أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه . . .
( 2 ) الحجرات : 12