فإن قلت : لم جعل فعل المشيئة مضارعا والإنابة ماضيا « 1 » . والمناسب العكس ؛ لأن مشيئة اللّه قديمة وإنابة العبد حادثة ، وفي غافر :
« وَما
« 2 »
يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَنْ يُنِيبُ »
؟
فالجواب : أن فعل المشيئة أتى مضارعا باعتبار متعلّقها ، وهو من فعل العبد وغير مطلوب لأن أصلها من اللّه ؛ فلم يحتج إلى طلب متعلّقها . والإنابة من فعل السيد ؛ فجاء فعلها ماضيا إشارة إلى تأكد طلبها حتى كأنها واقعة .
وأيضا مشيئة اللّه دائمة مستمرة ، وإنابة العبد منقطعة ؛ فهو إشارة إلى أن من أناب ليس على وثوق من بقاء إنابته واستمرارها في المستقبل إلا بهداية اللّه وتوفيقه .
والآية عندي صريحة في مذهب أهل السنة ؛ لقوله :
« يَهْدِي
« 3 »
إِلَيْهِ »
؛ أي يخلق في قلبه الهداية ويرشده إليها . وأناب إشارة إلى ماله في ذلك من الكسب . ثم « 4 » ذكر حالهم أنهم آمنوا به واطمأنّت قلوبهم بذكره .
فإن قلت : كيف تطمئنّ قلوبهم بذكره وقد ذكرهم اللّه في آية أخرى « 5 » :
« الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ »
؛ فهذه اقتضت أنّ ذكر اللّه موجب خوفه والوجل منه ، والأولى اقتضت طمأنينة قلوبهم .
والجواب : أنهم لما سمعوا ذكره تعالى حدث لهم خوف منه ووجل ، ثم تعقبه طمأنينة وسكون ، كما قال القائل :
هامش
( 1 ) في الآية نفسها : قل إن اللّه يضل من يشاء ، ويهدى إليه من أناب .
( 2 ) غافر : 13
( 3 ) الرعد : 27
( 4 ) في الآية التي بعدها : 28
( 5 ) الحج : 35