في تدبير المعيشة الدنيّة في هذه الحياة الدنيا على هذه الصفة فما ظنّك بهم في تدبير أمر الدين الذي هو رحمة اللّه الكبرى ورأفته العظمى ، وهو الطريق إلى خيار حظوظ الآخرة والسّلّم إلى حلول دار السلام .
( قالُوا : يا أَيُّهَا السَّاحِرُ ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ )
« 1 » : يعنى من إجابتك . وقولهم :
« إِنَّنا لَمُهْتَدُونَ »
« 2 » : وعد نووا إخلافه ؛ لأنهم رأوا تسع آيات فلم يؤمنوا . وقولهم :
« يا أَيُّهَا السَّاحِرُ »
: إما أن يكون عندهم غير مذموم ؛ لأن السحر كان علم أهل زمانهم ، وكأنهم قالوا يا أيها العالم .
وإما أن يكون ذلك اسما قد ألفوا تسمية موسى به من أوّل ما جاءهم ، فنطقوا به بعد ذلك من غير اعتقاد معناه .
فإن قلت : ظاهر كلامهم يقتضى تكذيبهم له ، وقولهم :
« ادْعُ لَنا رَبَّكَ »
- يقتضى تصديقه ؛ فما معنى الجمع ؟
والجواب أنّ القائلين لذلك كانوا مكذّبين ، وقولهم :
« ادْعُ لَنا رَبَّكَ »
يريدون : على قولك وزعمك ، فدعا اللّه موسى فكشفه عنهم فنكثوا عهدهم .
( قالَ : يا قَوْمِ ، أَ لَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ )
« 3 » : القائل لهذا فرعون ، وقصد بذلك الافتخار على موسى والتعظيم لملكه ، ومصر هو البلد المعروف ، وما يرجع إليه ؛ ومنتهى ذلك من نهر « 4 » الإسكندرية إلى أسوان بطول النيل ؛ فانظر عقله الفاسد ، وبلادته ، حيث فخر بتافه من الدنيا ، ولم يعتبر بمن تقدّمه من الملوك الذي كانوا أعظم منه ؛ فإنها لا تعمى الأبصار ، ولكن تعمى القلوب التي في الصدور .
هامش
( 1 ) الزخرف : 49
( 2 ) بقية الآية السابقة .
( 3 ) الزخرف : 51
( 4 ) يريد بحر الإسكندرية : البحر الأبيض .