على أنهم عرفوه ، والاستفهام على أنهم توهّموا أنه هو ولم يحقّقوه .
( قالَ أَبُوهُمْ : إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ )
« 1 » كان يعقوب ببيت المقدس ، ووجد ريح القميص ، وكان مع يوسف في بيته زمانا لا ريح له ، فلما فصلت العير اتّصل ريحه بيعقوب . كذلك قلبك يا محمدي مع مالك خزانتك ، فإذا أنفقت مالك في طاعة اللّه تفرّغ قلبك لعبادته ، وترى حينئذ من لطف اللّه بك حالا لا يخطر ببالك .
( قالَ : سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي )
« 2 » ؛ وعدهم يعقوب بالاستغفار ؛ لأنهم جاءوا متضرّعين معترفين بما جنوه ، كذلك أنت يا عبد اللّه ؛ إذا أذنبت وأتيت معترفا لرسولك الذي أرسل إليك متضرعا وجلا ، فإنه يستغفر لك ، ويشفع فيك . لأن اللّه أمره بالاستغفار لك ، وأذن له في الشفاعة فيك . وكيف لا وهو أكرم الخلق عليه ! وقد وعدنا بذلك في قوله « 3 » :
« وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاؤُكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً »
، وإنّى قد منعت يا سيد الأولين والآخرين عن الإتيان إليك بذنوب جنيتها على على نفسي ، فأنت تعلم عذرى ، ولا حيلة لي غير التعلق بجاهك العظيم والصلاة عليك ، صلّى اللّه عليك وعلى آلك أفضل صلاة وأزكى تسليم .
فإن قلت : لم وعدهم اللّه بالاستغفار ولم يستغفر في الحين ؟
والجواب أنه وعدهم بالاستغفار للسّحر ، لأنه وقت إجابة ، والدعاء في وقت الإجابة لا يردّ . فأخذ العلماء من هذه الآية التعرض لنفحات رحمة اللّه ، ومن راقب يراقب ، ومن غفل غفل عنه ، وقالوا : الوعد مع العطاء أفضل من العطاء بغير وعد ، فجبر قلوبهم بالوعد بالاستغفار ، ثم استغفر لهم فكملت الفرحتان .
هامش
( 1 ) يوسف : 94
( 2 ) يوسف : 98
( 3 ) النساء : 64