تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معترك الاقران في اعجاز القرآن — صفحة 189

مساهمون:

ص١٨٩
خيرا بهذه الخليفة ، وخصوصا بهذه الأمة ، فاخفضوا لها جناح الذّل من الرحمة ، ولا توحشوها ما أنستها من ربّها ونبيها ، وعاملوا الكلّ على الإطلاق بمكارم الأخلاق ؛ صلوا من قطعكم ، وأعطوا من حرمكم ، واعفوا عمن ظلمكم ؛ وإن لم يكونوا لها أهلا فكونوا أنتم لها أهلا .
( قالَ : إِنِّي أَنَا أَخُوكَ )
« 1 » ؛ أي قال يوسف لأخيه : إني أنا أخوك واستكتمه الأمر . وحبسه بتهمة السرقة ، فكتب إليه يعقوب وقال لموصله : انظره ، فإن نظر فيه وتغيّر لونه فاعلم أنه يوسف ؛ ثم قال له في كتابه : إن اللّه اصطفاك فاستحال عليك اسم السرقة ، كذلك من اصطفاه اللّه يستحيل أن تنسبه إلى السرقة ، فلما نظر يوسف إلى الكتاب تغيّر لونه ، فقال للرسول : مثل هذا الكتاب لا يقرأ إلا في الخلوة ، ثم قرأه وبكى كما قدمنا . وأنت يا محمدىّ اصطفاك ربّك في الأزل ، وأخرجك في خير الملل ، وبعث إليك خاتم الأنبياء والرسل ، وخاطبك بكتابه الذي ليس له مثل ، فامتهنته ولم تلتفت إليه ؛ بل وصفت نفسك بشرّ الخصال ، وعرّجت عليه كأنك لم تصدّق بالمآل ، ولم تعرف أنك تعرض عليه عند الموت ويوم السؤال ، وتطلب - مع هذا الجور والقصور - بالتنعم باللذات والحبور ؛ أنت تعلم ما تقاسى على صفة منتنة ، وما تحتاج إليه من مئونة ، وتريد الوصول إلى الجواري الحسان اللاتي لم يطمثهنّ إنس ولا جان ؛ هؤلاء الملائكة مع جليل قدرهم ، وكثرة عبادتهم ، يقولون يوم القيامة : سبحانك ما عبدناك حقّ عبادتك ، ولو استكثرت أعمالها لتباعدت من خالقها ؛ يقول تعالى في بعض كتبه : أيطلب أحدكم الجنة بقيام الليل ، والحارس يحرس ليلة بدانقين « 2 » ، فكيف يمنّ علىّ بليلة ، وهي تساوى
هامش
( 1 ) يوسف : 69 ( 2 ) الدانق - كصاحب : سدس الدرهم ، وتفتح نونه ( القاموس ) .