الحق والإحسان إلى الضعفاء من عباد اللّه ؛ لأن هذا الملك كان كافرا فأسلم لمّا رأى من حسن سيرته ، وكم له في هذه الولاية من المصالح الدينية والدنياوية ؛ والمراد بخزائن الأرض أرض مصر ؛ لأن الملك لم يملك غيرها ؛ فتأسّ يا محمدي بهذه الأخلاق الكريمة ، واجتهد في إصلاح هذه الأمة : وقّر كبيرهم ، وارحم صغيرهم ، وتجاوز عن مسيئهم ، ألا ترى الصدّيق لم يذكر امرأة العزيز مع ما كان منها من الإساءة ؛ بل ذكر النسوة اللاتي قطّعن أيديهنّ ، وعفا عن إخوته فيما صدر منهم ، هكذا أولو العزم في معاملتهم مع أمّة نبيهم ، تعلموا منه الصفح والإحسان ، فعاملوا أمته بستر ذوى العصيان والدعاء لهم بالرحمة والإحسان ، راجين بذلك معاملة اللّه لهم ، وكما تدين تدان .
فإن قلت : هل يجوز لنا الاقتداء بمدح يوسف لنفسه ؟
والجواب أنه مدح الصفتين اللتين أودعهما اللّه فيه ، فالمدح إنما هو للّه لا لنفسه ، ولولا ذلك لهلك الخلق . وقد أخبره اللّه أن [ 250 ب ] صلاح هؤلاء العامة إنما يكون بسببه تصبره على بلائه ، وكذلك أنت يا محمدي إذا جهل أمرك ، ورجوت صلاح إخوانك ، فلا ينبغي لك السكوت ، لما فيه من المصلحة ، هذا إن رجوت بذلك منفعة غيرك ، ولذلك استحبّ للعلماء لبس الجيّد ، والتشبّه بأرباب الدنيا ، لأن العامة لا تقبل كلام رثّ الهيئة ، ولا تلتفت إليه ، فضلا عن سماع كلامه ، ورضى اللّه عن السيد الذي طولب بولاية القضاء ففرّ منها ، فلما كان بغد أعطى عليها ألف دينار ، فقال له الملك : بالأمس هربت منها ، والآن أرشيت عليها ، فقال : بالأمس كان غيرى أولى بها ، والآن أعتقت هذه الأمة ممن يريد أكلها ، هكذا كانوا رضى اللّه عنهم ، يراعون مصلحة الأمة رعيا لنبيّها ، ويرحمونها لوصيته عليها . فيا أبناء الطريقة ورجال الحقيقة ، استوصوا
معترك الاقران في اعجاز القرآن — صفحة 188
مساهمون: جلال الدين السيوطي
ص١٨٨