فالذي يقدر على هذا يقدر على مسخكم لولا رحمته بكم ؛ ولذلك ختم الآية بالعقل الذي هو أسّ الأمور .
( ما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَما يَنْبَغِي لَهُ
« 1 »
)
: هذه الضمائر راجعة لنبيّنا ومولانا محمد صلى اللّه عليه وسلم ؛ لأنهم قالوا له شاعر ؛ فرد اللّه عليهم بهذه الآية ؛ واعجبا منهم ! وهم يرونه لا يزن شعرا ولا يذكره ؛ وإذا ذكر بيتا منه كسره ، ويقولون فيه شاعر ! تبّا لهم ! فإن قلت : قد تكلّم بكلام على وزن الشعر ؛ كقوله صلّى اللّه عليه وسلم « 2 » :
هل أنت إلا إصبع دميت . وفي سبيل اللّه ما لقيت .
وقال : أنا النبي لا كذب . أنا ابن عبد المطلب ؟
فالجواب أن هذا ليس بشعر ، ولم يقصده ؛ وإنما جاء بالاتّفاق لا بالقصد ، كالكلام المنثور . ومثل هذا يقال فيما جاء في القرآن من الكلام الموزون الذي تحدّاهم اللّه بسورة منه فلم يقدروا ، مع أنهم طبعوا على الفصاحة والشعر ؛ فهو من أعظم المعجزات . كأنه قال لهم : إن قلتم فيه إنه شاعر فأتوا أنتم بشعر مثله ، مع أنه ليس بشعر ، ولا ينبغي له الشعر لصدقه وأمانته ؛ والشعراء يتّبعهم الغاوون ألم تر أنّهم في كلّ واد يهيمون . ولهذا ذمّ اللّه الشعراء ؛ لإفراط التجوّز فيه ، وإن ورد في الحديث : إنّ من الشعر لحكمة - فإنما يصدق على ما هو عرى عن الأوصاف الذميمة ؛ ورحم اللّه الشافعي في قوله : الشعر كلام ، والكلام منه حسن ومنه قبيح .
( مَنافِعُ وَمَشارِبُ
« 3 »
)
: قد قدمنا في النحل معناه .
هامش
( 1 ) يس : 69
( 2 ) الكشاف : 2 - 256
( 3 ) يس : 73