من هذا ، فنظر في سورة الإخلاص ليحذو على مثالها وينسج - بزعمه - على منوالها ، قال : فاعترتنى خشية ورقّة حملتني على التوبة والأوبة .
وحكى عن بعضهم أنه كان إذا أخذ المصحف بيده يغشى عليه من هيبته .
* * *
الوجه الحادي والعشرون من وجوه إعجازه أن سامعه لا يمجّه وقارئه لا يملّه فتلذ له الأسماع وتشغف له القلوب
فلا تزيده تلاوته إلّا حلاوة ، ولا ترديده إلا محبة ، ولا يزال غضّا طريّا ، وغيره من الكلام - ولو بلغ في الحسن والبلاغة مبلغه - يملّ مع الترديد ، ويعادى إذا أعيد ؛ لأن إعادة الحديث على القلب أثقل من الحديد ، وكتابنا بحمد اللّه يستلذّ به في الخلوات ، ويؤنس به في الأزمات ؛ وسواه من الكتب لا يوجد فيها ذلك ، حتى أحدث لها أصحابها لحونا وطربا يستجلبون بتلك اللحون تنشيطهم على قراءتها ؛ ولهذا وصف رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم القرآن بأنه « 1 » لا يخلق على كثرة الرد ، ولا تنقضى عبره ، ولا تفنى عجائبه ، ليس بالهزل ؛ لا يشبع منه العلماء ، ولا تزيغ به الأهواء ، ولا تلتبس به الألسنة ، هو الذي لم تنته الجن حين سمعته أن قالوا « 2 » :
« إِنَّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ »
. من قال به صدق ، ومن حكم به عدل ، ومن خاصم به فلج « 3 » ، ومن قسم به أقسط ، ومن عمل به أجر ، ومن تمسك به هدى إلى صراط مستقيم ، ومن طلب الهدى من غيره أضله اللّه ، ومن حكم بغيره قصمه اللّه ، هو الذكر
هامش
( 1 ) فضائل القرآن : 5
( 2 ) الجن : 1
( 3 ) فلج : فاز