[ لوقوع المتشابه فوائد ]
قال : والجواب أن العلماء ذكروا لوقوع المتشابه فوائد لوجوه :
منها أنه يوجب مزيد المشقة في الوصول إلى المراد منه ، وزيادة المشقة توجب مزيد الثواب .
ومنها أنه لو كان القرآن كله محكما لما كان مطابقا إلا لمذهب واحد ، وكان بصريحه مبطلا لما سوى ذلك المذهب ؛ وذلك مما ينفّر أرباب سائر المذاهب عن قبوله ، وعن النظر فيه ، والانتفاع به ؛ فلما كان مشتملا على المحكم والمتشابه طمع صاحب كل مذهب أن يجد فيه ما يؤيد مذهبه وينصر مقالته ؛ فينظر فيه جميع أرباب المذاهب ، ويجتهد في التأمل فيه صاحب كل مذهب ؛ وإذا بالغوا في ذلك صارت المحكمات مفسرة للمتشابهات ؛ وبهذا الطريق يتخلص المبطل من باطله ، ويتصل إلى الحق .
ومنها أن القرآن إذا كان مشتملا على المتشابه افتقر إلى العلم بطريق التأويلات ، وترجيح بعضها على بعض ، وافتقر في تعلم ذلك إلى تحصيل علوم كثيرة من علم اللغة والنحو والمعاني والبيان وأصول الفقه ، ولو لم يكن الأمر كذلك لم يحتج إلى تحصيل هذه العلوم الكثيرة ؛ فكان في إيراد المتشابه هذه الفوائد الكثيرة .
ومنها أن القرآن مشتمل على دعوة [ 28 ب ] الخواصّ والعوامّ ؛ وطبائع العوامّ تنفر في أكثر الأمر عن درك الحقائق ، فمن سمع من العوام في أول الأمر إثبات موجود ليس بجسم ولا متحيز ولا مشار إليه ظن أن هذا عدم ونفى ، فوقع في التعطيل ؛ فكان الأصلح أن يخاطبوا بألفاظ دالة على بعض ما يناسب