تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 642

مساهمون:

ص٦٤٢
حَياتُنَا الدُّنْيا
ثم وضع هي موضع الحياة ؛ لأنّ الخبر يدل عليها ويبينها ، ومنه هي النفس تتحمل ما حملت ، والمعنى : لا حياة إلا هذه الحياة ؛ لأنّ إن النافية دخلت على هي التي بمعنى الحياة الدالة على الجنس فنفتها ، فوازنت لا التي نفت ما بعدها نفي الجنس
نَمُوتُ وَنَحْيا
أي : يموت منا من هو موجود وينشأ آخرون بعدهم ، وقيل : يموت قوم ويحيا قوم ، وقيل : تموت الآباء وتحيا الأبناء ، وقيل : في الآية تقديم وتأخير أي : نحيا ونموت لأنهم كانوا ينكرون البعث بعد الموت كما قالوا :
وَما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ
بعد الموت فكأنه قيل : فما هذا الكلام الذي يقوله ؟ فقيل : كذب ثم حصروا أمره في الكذب فقالوا :
إِنْ
أي : ما
هُوَ إِلَّا رَجُلٌ افْتَرى
أي : تعمد
عَلَى اللَّهِ
أي : الملك الأعلى
كَذِباً
فلا يلتفت إليه
وَما نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ
أي : بمصدقين فيما يخبرنا به من البعث والرسالة ، فكأنه قيل : فما قال ؟ فقيل :
قالَ رَبِّ
أيها المحسن إليّ بالرسالة وبإرسالي إليهم وبغيره من أنواع النعم
انْصُرْنِي
أي : أوقع لي النصر
بِما كَذَّبُونِ
فأجابه ربه بأن :
قالَ عَمَّا قَلِيلٍ
من الزمان وما زائدة وأكدت القلة بزيادتها
لَيُصْبِحُنَّ
أي : ليصيرنّ
نادِمِينَ
أي : على كفرهم وتكذيبهم إذا عاينوا العذاب .
فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ
أي : صيحة العذاب والهلاك كائنة
بِالْحَقِّ
أي : الأمر الثابت من العذاب الذي لا يمكن مدافعته لهم ولا لغيرهم غير اللّه تعالى فماتوا ، وقيل : صيحة جبريل ، ويكون القوم ثمود على الخلاف السابق
فَجَعَلْناهُمْ
بسبب الصيحة
غُثاءً
أي : مطروحين ميتين كما يطرح الغثاء شبهوا في دمارهم بالغثاء وهو حميل السيل مما بلي واسودّ من الورق والعيدان ومنه قوله :
فَجَعَلَهُ غُثاءً أَحْوى
[ الأعلى ، 5 ] أي : أسود يابسا ، ولما كان هلاكهم على هذا الوجه سببا لهوانهم عبر عنه بقوله تعالى :
فَبُعْداً
أي : هلاكا وطردا عن الرحمة
لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ
الذين وضعوا قوّتهم التي كان يجب عليهم بذلها في نصر الرسل في خذلانهم . تنبيه : يحتمل هذا الدعاء عليهم والإخبار عنهم ، ووضع الظاهر موضع ضميرهم للتعليل وبعدا وسحقا ونفرا وتخويفا ونحوها مصادر موضوعة مواضع أفعالها وهي من جملة المصادر التي قال سيبويه : نصبت بأفعال لا يستعمل إظهارها . القصة الثالثة : المذكورة في قوله تعالى :
ثُمَّ أَنْشَأْنا
أي : بعظمتنا التي لا يضرها تقديم ولا تأخير
مِنْ بَعْدِهِمْ
أي : من بعد من قدّمنا ذكره من نوح والقرن الذي بعده
قُرُوناً
أي : أقواما
آخَرِينَ
فهو سبحانه وتعالى تارة يقص علينا في القرآن مفصلا كما تقدم ، وتارة يقص مجملا كما هنا ، وقيل : المراد قصة لوط وشعيب وأيوب ويوسف عليهم السّلام ، وعن ابن عباس : بني إسرائيل ، ثم إنه تعالى أخبر بأنه لم يعجل على أحد منهم قبل الأجل الذي أجل لهم بقوله تعالى :
ما تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَها
أي : الذي قدر لها بأنّ تموت قبله
وَما يَسْتَأْخِرُونَ
عنه . تنبيه : ذكر الضمير بعد تأنيثه رعاية للمعنى ومن زائدة .
ثُمَّ أَرْسَلْنا رُسُلَنا تَتْرا
أي : متتابعين بين كل اثنين زمان طويل ، وقرأ أبو عمرو : رسلنا بسكون السين ، والباقون برفعها ، وقرأ تترا ، ابن كثير وأبو عمرو في الوصل بتنوين الراء على أنه مصدر بمعنى التواتر وقع حالا ، والباقون بغير تنوين ، ولما كان كأنه قيل : فكان ما ذا ؟ قيل :
كُلَّ ما جاءَ أُمَّةً رَسُولُها
أي : بما أمرناه من التوحيد
كَذَّبُوهُ
أي : كما فعل هؤلاء بك لما أمرتهم بذلك .