تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 643

مساهمون:

ص٦٤٣
تنبيه : أضاف الرسول مع الإرسال إلى الرسل ومع المجيء إلى المرسل إليهم ؛ لأنّ الإرسال الذي هو مبدأ الأمر منه والمجيء الذي هو منتهاه إليهم ، وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو بتحقيق الأولى وتسهيل الثانية بين الهمزة والواو ، والباقون بتحقيقهما ، وهم على مراتبهم في المدّ
فَأَتْبَعْنا
القرون بسبب تكذيبهم
بَعْضَهُمْ بَعْضاً
في الإهلاك ، فلم يبق عند الناس منهم إلا أخبارهم كما قال تعالى :
وَجَعَلْناهُمْ أَحادِيثَ
أي : أخبار يسمعونها ويتعجب منها ليكونوا عظة للمستبصرين فيعلموا أنه لا يفلح الكافرون ولا يخيب المؤمنون ، وما أحسن قول القائل « 1 » :
ولا شيء يدوم فكن حديثا * جميل الذكر فالدنيا حديث
والأحاديث تكون جمعا للحديث ، ومنه أحاديث رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وتكون جمعا للأحدوثة التي هي مثل الأعجوبة والألعوبة وهي ما يتحدث به الناس تلهيا وتعجبا وهو المراد هنا ، ولما تسبب عن تكذيبهم هلاكهم المقتضي لبعدهم قال تعالى :
فَبُعْداً لِقَوْمٍ
أي : أقوياء على ما يطلب منهم
لا يُؤْمِنُونَ
أي : لا يوجد منهم إيمان وإن جرت عليهم الفصول الأربعة لأنه لا مزاج لهم معتدل . القصة الرابعة : قصة موسى وهارون عليهما السّلام المذكورة في قوله تعالى :
ثُمَّ أَرْسَلْنا
أي : بما لنا من العظمة
مُوسى وَأَخاهُ هارُونَ بِآياتِنا
قال ابن عباس : الآيات التسع وهي العصا واليد والجراد والقمل والضفادع والدم والبحر والسنين ونقص الثمرات
وَسُلْطانٍ مُبِينٍ
أي : حجة بيّنة وهي العصا وأفردها بالذكر ؛ لأنها قد تعلق بها معجزات شتى من انقلابها حية وتلقفها ما أفكته السحرة وانفلاق البحر وانفجار العيون من الحجر بضربها ، وكونها حارسا وشمعة وشجرة خضراء مثمرة ودلوا ورشاء ، فجعلت كأنها ليست بعصا لما استبدت به من الفضائل فلذلك عطفت عليها كقوله تعالى :
مَنْ كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكالَ
[ البقرة ، 98 ] ، ويجوز أن يراد بالآيات نفس تلك المعجزات وبالسلطان المبين كيفية دلالتها على الصدق وذلك لأنها وإن شاركت آيات سائر الأنبياء في كونها آيات ، فقد فارقتها في قوّة دلالتها على قول موسى عله السّلام ، وأن يراد بالسلطان المبين المعجزات وبالآيات الحجج ، وأنّ يراد بها المعجزات فإنها آيات النبوّة وحجة بينة على ما يدعيه النبي ، قال الرازي : واعلم أن الآية تدل على أن معجزات موسى كانت معجزات هارون أيضا وأنّ النبوّة كما كانت مشتركة بينهما ، فكذلك المعجزات .
إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِ
أي : وقومه ولكن لما كان الأطراف لا يخافون الأشراف عدهم عدما ، ومن الواضح أن التقدير أن اعبدوا اللّه ما لكم من إله غيره ، وأشار بقوله تعالى :
فَاسْتَكْبَرُوا
إلى أنهم أوجدوا الكبر عن الاتباع فيما دعوهم إليه عقب الإبلاغ من غير تأمل ولا تثبت ، وطلبوا أن لا يكونوا تحت أمر من دعاهم ، وأشار بالكون إلى فساد جبلتهم بقوله تعالى :
وَكانُوا قَوْماً
أي : أقوياء
عالِينَ
أي : متكبرين قاهرين غيرهم بالظلم . ولما تسبب عن استكبارهم وعلوهم إنكارهم للاتباع قال تعالى :
فَقالُوا أَ نُؤْمِنُ
أي : بالله تعالى مصدقين
لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا
أي : في البشرية والمأكل والمشرب وغيرهما مما يعتري البشر كما قال من تقدمهم :
وَقَوْمُهُما
أي : والحال أن قومهما أي : بني إسرائيل
لَنا عابِدُونَ
خضوعا وتذللا أي : في غاية الذل والانقياد كالعبيد ، فنحن أعلى منهما بهذا ، أو لأنه كان يدعي الإلهية ،
هامش
( 1 ) البيت لم أجده في المصادر والمراجع التي بين يدي .
تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 643 | الخطيب الشربيني / إبراهيم شمس الدين