تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 639

مساهمون:

ص٦٣٩
يعلم ما لا تعلمون فأنكروا أن يكون بعض البشر نبيا ، ولم ينكروا أن يكون بعض الطين إنسانا وبعض الماء علقة ، وبعض العلقة مضغة إلى آخره ، فكأنه قيل : ما حمله على ذلك فقالوا :
يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ
يتكلف الفضل بادعاء مثل هذا
عَلَيْكُمْ
لتكونوا أتباعا له ولا خصوصية له دونكم
وَلَوْ شاءَ اللَّهُ
أي : الملك الأعلى الإرسال إليكم وعدم عبادة غيره
لَأَنْزَلَ
كذلك
مَلائِكَةً
رسلا بإبلاغ الوحي إلينا قال الزمخشري : وما أعجب شأنّ الضلال لم يرضوا للنبوة ببشر ، وقد رضوا للألوهية بحجر
ما سَمِعْنا بِهذا
أي : الذي دعا إليه نوح من التوحيد
فِي آبائِنَا الْأَوَّلِينَ
أي : الأمم الماضية .
إِنْ
أي : ما
هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ
أي : جنون ولأجله يقول ما يدعيه
فَتَرَبَّصُوا بِهِ
أي : فتسبب عن الحكم بجنونه إنا نأمركم بالكف عنه لأنه لا حرج على جنونه
حَتَّى
أي : إلى
حِينٍ
لعله يفيق أو يموت ، فكأنه قيل : فما قال ؟ فقيل :
قالَ
عندما أيس من فلاحهم
رَبِّ انْصُرْنِي
أي : أعني عليهم
بِما كَذَّبُونِ
أي : بسبب تكذيبهم لي فإن تكذيب الرسول استخفاف بالمرسل .
فَأَوْحَيْنا
أي : فتسبب عن دعائه أن أوحينا
إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ
أي : السفينة
بِأَعْيُنِنا
أي : إنه لا يغيب عنا شيء من أمرك ولا من أمرهم ، وأنّ تعرف قدرتنا على كل شيء ، فثق بحفظنا ولا تخف شيئا من أمرهم ، روي أنه لما أوحي إليه أن يصنعها على مثال جؤجؤ الطائر ، قال الجوهري : جؤجؤ الطائر والسفينة صدرهما والجمع الجآجىء . ولما كان لا يعلم الصنعة قال تعالى :
وَوَحْيِنا
أي : وأمرنا وتعليمنا كيف تصنع ، فإنّ جبريل علمه عمل السفينة ، ووصف كيفية اتخاذها له ، وقد تقدم الكلام عليها مستوفى في سورة هود
فَإِذا جاءَ أَمْرُنا
أي : بالهلاك عقب فراغك منها أو بالركوب
وَفارَ التَّنُّورُ
قال ابن عباس : وجه الأرض ، وفي القاموس : التنور الكانون يخبز فيه ، ووجه الأرض ، وعن قتادة : أنه أشرف موضع في الأرض أي : أعلاه ، وعن علي : طلع الفجر ، وعن الحسن : أنه الموضع المنخفض من السفينة الذي يسيل الماء إليه ، وقيل : هو مثل كقولهم : حمي الوطيس ، والأقرب كما قال الرازي ، وعليه أكثر المفسرين ، هو التنور المعروف بتنور الخباز ، فيكون له فيه آية ، روي أنه قيل لنوح : إذا رأيت الماء يفور في التنور فاركب أنت ومن معك في السفينة ، فلما نبع الماء من التنور أخبرته امرأته ، فركب وقيل : كان تنور آدم ، وكان من حجارة ، فصار إلى نوح ، واختلف في مكانه ، فعن الشعبي في مسجد الكوفة عن يمين الداخل مما يلي باب كندة ، وكان نوح عمل السفينة وسط المسجد ، وقيل : بالشام بموضع يقال له عين وردة ، وقيل : بالهند . وقرأ قالون والبزي وأبو عمرو بإسقاط الهمزة الأولى من الهمزتين المفتوحتين من كلمتين ، وحقق الأولى وسهل الثانية ورش وقنبل
فَاسْلُكْ
أي : أدخل
فِيها
أي : السفينة
مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ ،
من الحيوان
اثْنَيْنِ
ذكرا وأنثى ، وقرأ حفص بتنوين اللام من كل أي : من كل نوع زوجين ، فزوجين مفعول واثنين تأكيد ، والباقون بغير تنوين ، فاثنين مفعول ، ومن متعلق باسلك ، وفي القصة إن اللّه تعالى حشر لنوح السباع والطير وغيرهما ، فجعل يضرب يده في كل جمع ، فتقع يده اليمنى على الذكر واليسرى على الأنثى فيحملهما في السفينة ، وروي أنه لم يحمل إلا ما يلد ويبيض
وَأَهْلَكَ
أي : وأهل بيتك من زوجك وأولادك
إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ
لا له
الْقَوْلُ مِنْهُمْ