تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 645

مساهمون:

ص٦٤٥
مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ
[ آل عمران ، 37 ] ، ولم تلتقم ثديا قط . تنبيه : قال بعض المفسرين : ولعل في ذلك إشارة إلى أنه تكلمت به آية للقدرة على إيجاد الإنسان بكل اعتبار من غير ذكر ولا أنثى ، وهو آدم ، ومن ذكر بلا أنثى وهي حوّاء عليهاالسّلام ، ومن أنثى بلا ذكر وهو عيسى ، ومن الزوجين وهو بقية الناس
وَآوَيْناهُما
أي : بعظمتنا
إِلى رَبْوَةٍ
أي : مكان عال من الأرض . تنبيه : قد اختلف في هذه الربوة ، فقال عطاء عن ابن عباس : هي بيت المقدس ، وهو قول قتادة وكعب ، قال كعب : هي أقرب الأرض إلى السماء بثمانية عشر ميلا ، وقال عبد اللّه بن سلام : هي دمشق ، وقال أبو هريرة : هي الرملة ، وقال السدي : هي أرض فلسطين ، وقال ابن زيد : هي مصر ، وقرأ ابن عامر وعاصم بفتح الراء ، والباقون بضم الراء
ذاتِ قَرارٍ
أي : منبسطة مستوية واسعة يستقر عليها ساكنوها
وَمَعِينٍ
أي : ماء جار ظاهر تراه العيون . تنبيه : قد اختلف في زيادة ميم معين وأصالتها فوجه من جعلها مفعولا أنه مدرك بالعين لظهوره من عانه إذا أدركه بعينه نحو ركبه إذا ضربه بركبته ، ووجه من جعله فعيلا أنه نفاع لظهوره وجريه من الماعون وهو المنفعة قيل : سبب الإيواء أنها مرت بابنها إلى الربوة ، وبقيت بها اثنتي عشرة سنة ، ثم رجعت إلى أهلها بعدما مات ملكهم وههنا آخر القصص . وقد اختلف في المخاطب بقوله تعالى :
يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ
على وجوه ؛ أحدها : أنه محمد صلّى اللّه عليه وسلّم وحده على مذهب العرب في مخاطبة الواحد بلفظ الجماعة ، ثانيها : أنه عيسى ؛ لأنه روي أن عيسى كان يأكل من غزل أمه ، ثالثها : أنه كل رسول خوطب بذلك ، ووصي به لأنه تعالى في الأزل متكلم آمرناه ، ولا يشترط في الأمر وجود المأمورين بل الخطاب أزلا على تقدير وجود المخاطبين ، فقول البيضاوي : لا على أنهم خوطبوا بذلك دفعة لأنهم أرسلوا في أزمنة مختلفة بل على معنى أن كلا منهم خوطب به في زمانه ، تبع فيه « الكشاف » ، فإن المعتزلة أنكروا قدم الكلام فحملوا الآية على خلاف ظاهرها ، وأنت خبير بأنّ عدم اشتراط ما ذكر إنما هو في التعلق المعنوي لا التنجيزي الذي الكلام فيه ، فإنه مشروط فيه ذلك ، وإنما خاطب جميع الرسل بذلك ليعتقد السامع أن أمرا خوطب به جميع الرسل ووصوا به حقيق أن يؤخذ به ويعمل عليه ، وهذا كما قال الرازي أقرب ؛ لأنه روي « عن أم عبد اللّه أخت شداد بن أوس أنها بعثت إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بقدح من لبن في شدّة الحر عند فطره وهو صائم ، فرد صلّى اللّه عليه وسلّم إليها وقال : من أين لك هذا ؟ فقالت : من شاة لي ، ثم رده صلّى اللّه عليه وسلّم وقال : من أين هذه الشاة ؟ فقالت : اشتريتها من مالي ، فأخذه ثم إنها جاءته فقالت : يا رسول اللّه لم رددته ؟ فقال صلّى اللّه عليه وسلّم بذلك أمرت الرسل أن لا تأكل إلا طيبا ، ولا تعمل إلا صالحا » « 1 » ، والمراد بالطيب الحلال ، وقيل : طيبات الرزق الحلال الصافي القوام ، فالحلال هو الذي لا يعصى اللّه تعالى فيه ، والصافي هو الذي لا ينسى اللّه فيه ، والقوام هو الذي يمسك النفس ويحفظ العقل ، وقيل : المراد بالطيب المستلذ أي : ما تستلذه النفس من المأكل والمشرب والفواكه ، ويشهد له مجيئه على عقب قوله تعالى :
وَآوَيْناهُما إِلى رَبْوَةٍ ذاتِ قَرارٍ وَمَعِينٍ
هامش
( 1 ) أخرجه الحاكم في المستدرك 4 / 125 ، 126 ، والمتقي الهندي في كنز العمال 9250 ، 16990 ، والبخاري في التاريخ الكبير 6 / 133 ، 139 ، 339 .