[ سورة الأنبياء ( 21 ) : الآيات 39 إلى 44 ]
لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلا عَنْ ظُهُورِهِمْ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ ( 39 ) بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ فَلا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّها وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ ( 40 ) وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ ( 41 ) قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ مِنَ الرَّحْمنِ بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ ( 42 ) أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنا لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ وَلا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ ( 43 )
بَلْ مَتَّعْنا هؤُلاءِ وَآباءَهُمْ حَتَّى طالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ أَ فَلا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها أَ فَهُمُ الْغالِبُونَ ( 44 )
وَلَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ
أي : الأجرام العالية ، وهي ما تحت العرش ، وجمع السماء هنا لاقتضاء تفخيم الملك ذلك ، ولما كانت عقولهم لا تدرك تعدّد الأرض وحدها ، فقال :
وَالْأَرْضِ
أي : له ذلك خلقا وملكا أنه منزه عن طاعتهم ؛ لأنه هو المالك لجميع المحدثات والمخلوقات ، وعبر بمن تغليبا للعقلاء ، وقوله تعالى :
وَمَنْ عِنْدَهُ
أي : وهم الملائكة بإجماع الأمة ، ولأن اللّه تعالى وصفهم بأنهم يسبحون الليل والنهار لا يفترون ، وهذا لا يليق بالبشر ، مبتدأ خبره
لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ
بنوع كبر طلبا ولا إيجادا ، وخصهم بالذكر لكرامتهم عليه تنزيلا لهم منزلة المقرّبين عند الملك .
تنبيه : هذه العندية للشرف والرتبة لا عندية المكان والجهة ، فكأنه تعالى قال : الملائكة مع كمال شرفهم وعلو مراتبهم ، ونهاية جلالتهم لا يستكبرون عن عبادته ، فكيف يليق بالبشر الضعيف التمرد عن طاعته
وَ
مع ذلك أيضا
لا يَسْتَحْسِرُونَ
أي : لا يعيون ، وإنما جيء بالاستحسار الذي هو أبلغ من الحسور تنبيها على أن عبادتهم من ثقلها ودوامها حقيقة بأن يستحسر منها ولا يستحسرون ، ولا يطلبون أن ينقطعوا عنها ، فأنتج ذلك قوله تعالى :
يُسَبِّحُونَ
أي : ينزهون المستحق للتنزيه بأنواع التنزيه من الأقوال والأفعال
اللَّيْلَ وَالنَّهارَ
أي : جميع آنائهما دائما
لا يَفْتُرُونَ
أي : عن ذلك وقتا من الأوقات ، فهو منهم كالنفس منا لا يشغلنا عنه شاغل .
ولما كانوا عند هذا البيان جديرين بأن يبادروا إلى التوحيد ، فلم يفعلوا كانوا حقيقين بعد الإعراض عنهم بالتوبيخ والتهكم والتعنيف ، فقال تعالى :
أَمِ اتَّخَذُوا
أي : بل اتخذوا ، فأم بمعنى بل للانتقال والهمزة لإنكار اتخاذهم
آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ
ومعنى نسبتها إلى الأرض الإيذان بأنها الأصنام التي تعبد في الأرض ؛ لأن الآلهة على ضربين : أرضية وسماوية ، ومن ذلك حديث الأمة التي قال لها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « أين ربك ؟ فأشارت إلى السماء ، فقال : إنها مؤمنة » « 1 » ؛ لأنه فهم منها أن مرادها نفي الآلهة الأرضية التي هي الأصنام لا إثبات أن السماء مكان اللّه تعالى ، ويجوز أن يراد آلهة من جنس الأرض ؛ لأنها إمّا أن تنحت من بعض الحجارة أو تعمل من بعض جواهر الأرض
هُمْ يُنْشِرُونَ
أي : يحيون الموتى لا يقدرون على ذلك ، وهم وإن لم يصرّحوا بذلك لزم من ادعائهم لها آلهة أنهم يقدرون على ذلك ، فإنّ من لوازمها الاقتدار على جميع الممكنات ، فالمراد به تجهيلهم والتهكم بهم ، وللمبالغة في ذلك زيد الضمير الموهم لاختصاص الانتشار بهم .
هامش
( 1 ) أخرجه مسلم في المساجد حديث 33 ، والنسائي في الكلام في الصلاة حديث 1218 ، وأحمد في المسند 4 / 222 ، 388 ، 389 ، 5 / 447 .