تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 551

مساهمون:

ص٥٥١
ولكون الجسد جسما ذا اللون لا يطلق على الماء والهواء ، وهو في الماء مبني على أنه لا لون له ، وإنما يتلون بلون ظرفه أو مقاله ؛ لأنه جسم شفاف ، لكن قال الإمام الرازي : بل له لون ويرى ، ومع ذلك لا يحجب عن رؤية ما وراءه ، ثم نبه على الثاني بقوله تعالى :
وَما كانُوا خالِدِينَ
أي : بأجسادهم ، بل ماتوا كما مات الناس قبلهم وبعدهم ، وإنما امتازوا عن الناس بما يأتيهم عن اللّه تعالى ورسولكم صلّى اللّه عليه وسلّم ليس بخالد ، فتربصوا كما أشار إليه ختم طه ، فإنه متربص بكم ، وأنتم عاصون الملك الذي اقترب حسابه لخلقه وهو مطيع له .
ثُمَّ صَدَقْناهُمُ الْوَعْدَ
أي : الذي وعدناهم بإهلاكهم ، وهذا مثل قوله تعالى :
وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ
[ الأعراف ، 155 ] في حذف الجار والأصل في الوعد ، ومن قومه ومنه صدقوهم القتال ، وصدقني سنّ بكره والأصل في هذا المثل أن أعرابيا عرض بعيرا للبيع ، فقال له المشتري : ما سنه ؟ قال : بكر ، فاتفق أنه ند ، فقال صاحبه هدع هدع ، وهذه اللفظة مما يسكن بها صغار الإبل لا الكبار ، فقال المشتري : صدقني سنّ بكره ، وأعرض ، فصار مثلا . تنبيه : أشار تعالى بأداة التراخي إلى أنهم طال بلاؤهم بهم ، وصبرهم عليهم ، ثم أحل بهم سطوته ، وأراهم عظمته
فَأَنْجَيْناهُمْ
أي : الرسل
وَمَنْ نَشاءُ
وهم المؤمنون أو من في إبقائه حكمة كمن سيؤمن هو أو واحد من ذريته ، ولذلك حميت به العرب من عذاب الاستئصال ،
وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ
أي : المشركين ؛ لأن المشرك مسرف على نفسه .
لَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ
يا معشر قريش
كِتاباً
أي : القرآن
فِيهِ ذِكْرُكُمْ
أي : شرفكم ووصيتكم كما قال تعالى :
وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ
[ الزخرف ، 44 ] ، أو فيه مكارم الأخلاق التي كنتم تطلبون بها الثناء وحسن الذكر كحسن الجوار والوفاء بالعهد وصدق الحديث وأداء الأمانة والسخاء وما أشبه ذلك ، وقيل : فيه ذكر ما تحتاجون إليه من أمر دينكم ، أو لأنه نزل بلغتكم ، وقيل : فيه تذكرة لكم لتحذروا ، فيكون الذكر بمعنى الوعد والوعيد
أَ فَلا تَعْقِلُونَ
فتؤمنوا به ، وفي ذلك حث على التدبر ؛ لأن الخوف من لوازم العقل .
وَكَمْ قَصَمْنا
أي : أهلكنا
مِنْ قَرْيَةٍ
أي : أهلها بغضب شديد ؛ لأن القصم أفظع الكسر ، وهو الكسر الذي يبين تلاؤم الأجزاء بخلاف الفصم ، وقوله تعالى :
كانَتْ ظالِمَةً
أي : كافرة صفة لأهلها وصفت بها لما أقيمت مقامها ، ثم بيّن الغنى عنها بقوله تعالى :
وَأَنْشَأْنا بَعْدَها
أي : بعد إهلاك أهلها
قَوْماً آخَرِينَ
مكانهم ، ثم بيّن حالها عند إحلال البأس بها بقوله تعالى :
فَلَمَّا أَحَسُّوا
أي : أدرك أهلها بحواسهم
بَأْسَنا
أي : عذابنا
إِذا هُمْ مِنْها
أي : القرية
يَرْكُضُونَ
هاربين منها مسرعين راكضين دوابهم لما أدركتهم مقدّمة العذاب والركض ضربة الدابة بالرجل ، ومنه اركض برجلك ، أو مشبهين بهم من فرط إسراعهم بعد تجبرهم على الرسل ، وقولهم لهم : لنخرجنكم من أرضنا ، أو لتعودن في ملتنا ، فناداهم لسان الحال تقريعا وتشنيعا لحالهم .
لا تَرْكُضُوا
أو المقال والقائل ملك أو من ثم من المؤمنين
وَارْجِعُوا
إلى قريتكم
إِلى ما أُتْرِفْتُمْ
أي : تمتعتم
فِيهِ
من التنعم والتلذذ والإتراف إبطار النعمة والترفه ، ولما كان أعظم ما يوسف عليه بعد العيش الناعم المسكن قال :
وَمَساكِنِكُمْ
أي : التي كنتم تفتخرون بها على الضعفاء بما أوسعتم من فنائها ، وعليتم من بنائها ، وحسنتم من مشاهدها
لَعَلَّكُمْ تُسْئَلُونَ
وفي هذا تهكم بهم وتوبيخ أي : ارجعوا إلى نعيمكم ومساكنكم لعلكم تسألون غدا عما يجري عليكم ،
تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 551 | الخطيب الشربيني / إبراهيم شمس الدين