تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 556

مساهمون:

ص٥٥٦
أَكْثَرُهُمْ
أي : هؤلاء المدّعون
لا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ
فلا يميزون بينه وبين الباطل بل أكثرهم جهلة ، والجهل أصل الشرّ والفساد
فَهُمْ
أي : فتسبب عن جهلهم ما افتتحنا به السورة من أنهم
مُعْرِضُونَ
عن التوحيد واتباع الرسل . ولما كان الإرسال بالفعل غير مستغرق للزمان المتقدّم كما أنّ الرسالة لا يقوم بها كل واحد ، فكذلك الإرسال لا يصلح له كل زمن أثبت الجار في قوله تعالى :
وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ
وأغرق في النفي فقال :
مِنْ رَسُولٍ
في شيع الأوّلين
إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ
من عندنا
أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ
وهذا مقرّر لما سبقه من آي التوحيد ، وقال تعالى : إلا أنا ، ولم يقل : نحن لئلا يجعلوا ذلك وسيلة إلى ما ادّعوه من تعدّد الآلهة ، ولذلك قال : فاعبدون بالإفراد ، وقرأ حفص وحمزة والكسائي بالنون وكسر الحاء ، والباقون بالياء وفتح الحاء . ولما بيّن سبحانه وتعالى بالدلائل الباهرة كونه منزها عن الشريك والضدّ والندّ أردف ذلك ببراءته عن اتخاذ الولد بقوله :
وَقالُوا اتَّخَذَ
أي : تكلف كما يتكلف من لا يكون له ولد
الرَّحْمنُ
أي : الذي كل موجود من فيض نعمه
وَلَداً
نزل في خزاعة حيث قالوا : الملائكة بنات اللّه ، وقيل : نزل ذلك في اليهود حيث قالوا : إنه تعالى صاهر الجن ، فكانت منهم الملائكة كما حكى اللّه تعالى عنهم قولهم ، وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا ، ثم إنه سبحانه وتعالى نزه نفسه عن ذلك بقوله تعالى :
سُبْحانَهُ
أي : تنزه عن أن يكون له ولد ، فإنّ ذلك يقتضي المجانسة بينه وبين الولد ، ولا تصح مجانسة النعمة للمنعم الحقيقي
بَلْ
أي : الذين جعلوهم له ولدا وهم الملائكة
عِبادٌ
من عباده أنعم عليهم بالإيجاد كما أنعم على غيرهم لا أولاد ، فإنّ العبودية تنافي الولدية
مُكْرَمُونَ
بالعصمة من الزلل ولذلك فسر الإكرام بقوله تعالى :
لا يَسْبِقُونَهُ
أي : لا يسبقون إذنه
بِالْقَوْلِ
أي : لا يقولون شيئا حتى يقوله كما هو شأن العبيد المؤدّبين
وَهُمْ بِأَمْرِهِ
إذا أمرهم
يَعْمَلُونَ
لا بغيره لأنهم في غاية المراقبة له تعالى ، فجمعوا في الطاعة بين القول والفعل ، وذلك غاية الطاعة . ثم علل إخباره بذلك بعلمه بما هذا المخبر به مندرج فيه بقوله تعالى :
يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ
أي : ما عملوا وما هم عاملون لا تخفى عليه تعالى خافية مما قدّموا وأخروا ، ثم صرح تعالى بلازم الجملة الأولى ، فقال :
وَلا يَشْفَعُونَ
أي : لا في الدنيا ، ولا في الآخرة
إِلَّا لِمَنِ ارْتَضى
فلا تطمعوا في شفاعتهم لكم بغير رضاه تعالى ، قال ابن عباس والضحاك : إلا لمن ارتضى أي : لمن قال : لا إله إلا اللّه ، فسقط بذلك قول المعتزلة : إنّ الشفاعة في الآخرة لا تكون لأهل الكبائر ، ثم صرّح بلازم الجملة الثانية فقال :
وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ
أي : لا من غيرها
مُشْفِقُونَ
أي : خائفون ، وأصل الخشية خوف مع تعظيم ، ولذلك خص بها العلماء والإشفاق خوف مع اعتناء ، فإن عدّي بمن فمعنى الخوف فيه أظهر ، وإن عدّي بعلى فبالعكس . ولما نفى تعالى الشريك مطلقا ، ثم مقيدا بالولدية أتبعه التهديد على ادّعائه بتعذيب المتبوع الموجب لتعذيب التابع بقوله تعالى :
وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ
أي : من الخلائق حتى العباد المكرمين الذين وصف كرامتهم وقرب منزلتهم عنده ، وأثنى عليهم
إِنِّي إِلهٌ مِنْ دُونِهِ
أي : اللّه أي غيره ، والذي قال ذلك كما قال الجلال المحلي هو إبليس دعا إلى عبادة نفسه ، وأمر بطاعتها
فَذلِكَ
أي : اللعين الذي لا يصلح للتقريب أصلا
نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ
لظلمه
كَذلِكَ
أي : مثل هذا الجزاء