وينزل بأموالكم ومساكنكم ، فتجيبوا السائل عن علم ومشاهدة ، أو ارجعوا ، واجلسوا كما كنتم في مجالسكم وترتبوا في مراتبكم حتى يسألكم عبيدكم وحشمكم ومن تملكون أمره ، وينفذ فيه أمركم ونهيكم ، فيقولوا لكم بم تأمرون وما ذا ترسمون ، أو شيئا من دنياكم على العادة ، أو تسألون في الإيمان كما كنتم تسألون ، فتأبوا بما عندكم من الأنفة والحمية والعظمة ، أو في المهمات كما تكون الرؤساء في مقاعدهم العلية ، ومراتبهم السنية ، فيجيبون سائلهم بما شاؤوا .
ولما كان كأنه قيل : بم أجابوا هذا القائل ؟ قيل :
قالُوا
حين لا نفع لقولهم عند نزول البأس
يا وَيْلَنا
إشارة إلى أنه حل بهم ؛ لأنه ينادي بيا القريب ترفقا به كما يقول الشخص لمن يضربه : يا سيدي كأنه يستغيث به ليكف عنه ، وذلك غباوة منهم ، وعمى عن الذي أحله بهم ؛ لأنهم كالبهائم لا ينظرون إلا السبب الأقرب ، ثم عللوا حلوله بهم تأكيدا لترفقهم بقولهم :
إِنَّا كُنَّا
جبلة وطبعا
ظالِمِينَ
حيث كذبنا الرسل ، وعصينا أمر ربنا ، فاعترفوا حيث لا ينفعهم الاعتراف لفوات محله ، وعن ابن عباس رضي اللّه عنهما أن هذه القرية حضور بفتح الحاء وبالضاد المعجمة ، وهي وسحول قريتان قريبتان من اليمن تنسب إليهما الثياب ، وفي الحديث : « كفن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في ثوبين سحوليين » « 1 » ، وروي حضوريين بعث اللّه لهم نبيا ، فقتلوه ، فسلط اللّه تعالى عليهم بختنصر كما سلطه اللّه على أهل بيت المقدس ، فاستأصلهم ، وروي أنه لما أخذتهم السيوف نادى مناد من السماء : يا لثأرات الأنبياء ، وهي بفتح اللام ، وبمثلثة وهمزة ساكنة أي : يا لأهل ثأراتهم أي : الطالبة بدمهم ، فحذف المضاف ، وأقيم المضاف إليه مقامه ، فندموا وقالوا ذلك .
فَما
أي : فتسبب عن إحلالنا بهم ذلك البأس أنه ما
زالَتْ تِلْكَ
الدعوى البعيدة عن الخير والسلامة ، وهي قولهم : يا ويلنا
دَعْواهُمْ
يرددونها لا دعوى لهم غيرها ؛ لأنّ الويل ملازم لهم غير منفك عنهم ، وترفقهم له غير نافعهم
حَتَّى جَعَلْناهُمْ حَصِيداً
كالزرع المحصود بالمناجل بأن قتلوا بالسيف .
تنبيه : حصيد على وزن فعيل بمعنى مفعول ، ولذلك لم يجمع ؛ لأنه يستوي فيه الجمع وغيره
خامِدِينَ
أي : ميتين كخمود النار إذا طفئت وصارت رمادا فإن قيل : كيف ينصب جعل ثلاثة مفاعيل أجيب بأنّ حكم الاثنين الأخيرين حكم الواحد ؛ لأن معنى قولك : جعلته حلوا حامضا جعلته جامعا للطعمين ، وكذلك معنى جعلناهم جامعين لمماثلة الحصد والخمود أو خامدين صفة لحصيدا أو حال من ضميره .
ثم نبههم سبحانه وتعالى على النظر في خلق السماوات وما بينهما ليعتبروا ، فقال تعالى :
وَما خَلَقْنَا السَّماءَ
على علوّها وإحكامها
وَالْأَرْضَ
على عظمها واتساعها
وَما بَيْنَهُما
مما دبرناه لتمام المنافع من أصناف البدائع وغرائب الصنائع
لاعِبِينَ
أي : عابثين كما تسوّي الجبابرة سقوفهم وفرشهم ، وسائر زخارفهم للهو واللعب ، وإنما خلقناها مشحونة بضروب البدائع تبصرة
هامش
( 1 ) روي الحديث بلفظ : « كفّن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في ثلاثة أثواب بيض سحولية » .
أخرجه البخاري في الجنائز باب 19 ، 25 ، 94 ، ومسلم في الجنائز حديث 45 ، والنسائي في الجنائز باب 39 ، وابن ماجة في الجنائز باب 11 ، ومالك في الجنائز حديث 5 ، 6 ، 7 ، وأحمد في المسند 6 / 40 ، 93 ، 118 ، 132 ، 165 ، 231 .