تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 557

مساهمون:

ص٥٥٧
الفظيع جدّا
نَجْزِي الظَّالِمِينَ
أي : المشركين . ثم إنه سبحانه وتعالى شرع الآن في الدلائل الدّالة على وجود الصانع ، فذكر منها ستة أنواع . النوع الأوّل : قوله تعالى :
أَ وَلَمْ يَرَ
أي : يعلم
الَّذِينَ كَفَرُوا
علما هو كالمشاهدة
أَنَّ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ كانَتا
ولم يقل : كنّ ؛ لأنّ المراد جماعة السماوات وجماعة الأرض
رَتْقاً
قال ابن عباس والضحاك : كانتا شيئا واحدا ملتزقتين زبدة واحدة
فَفَتَقْناهُما
أي : فصلنا بينهما بالهواء ، والرتق في اللغة السد ، والفتق الشق ، قال كعب : خلق اللّه السماوات والأرض بعضها على بعض ، ثم خلق ريحا توسطتهما ، ففتحهما بها ، وقال مجاهد والسدّي : كانت السماوات رتقا طبقة ، ففتقها ، فجعلها سبع سماوات ، وكذلك الأرض كانت رتقا طبقة ، ففتقها ، فجعلها سبع أرضين ، وقال عكرمة وعطية : كانت السماوات رتقا لا تمطر ، والأرض رتقا لا تنبت ، ففتق السماء بالمطر والأرض بالنبات ، فيكون المراد بالسموات سماء الدنيا ، وجمعها باعتبار الآفاق أو السماوات بأسرها على أنّ لها مدخلا في الأمطار ، وإنما قال تعالى : رتقا على التوحيد ، وهو نعت للسموات والأرض لأنه مصدر ، والكفرة وإن لم يعلموا ذلك ، فهم متمكنون من العلم بالنظر ، أو باستفسار من العلماء ، أو مطالعة الكتب ، وقرأ ابن كثير ألم بغير واو بين الهمزة ولم ، والباقون بالواو بين الهمزة واللام . النوع الثاني من الدلائل : قوله تعالى :
وَجَعَلْنا
أي : خلقنا بما اقتضته عظمتنا
مِنَ الْماءِ
الماء هو الدافق وغيره
كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ
مجازا في النبات وحقيقة في الحيوان فإن قيل : قد خلق اللّه تعالى بعض ما هو حي من غير الماء كآدم وعيسى والملائكة ؟ أجيب : بأنّ هذا خرج مخرج الأغلب والأكثر ، أي : أن أكثر ما خلق اللّه خلق من الماء وبقاؤه بالماء ، وقيل : المراد بالماء ما نزل من السماء أو نبع من الأرض
أَ فَلا يُؤْمِنُونَ
مع ظهور هذه الآيات الواضحات بتوحيدي . النوع الثالث من الدلائل : قوله تعالى :
وَجَعَلْنا فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ
أي : جبالا ثوابت كراهة
أَنْ تَمِيدَ
أي : تتحرك
بِهِمْ
قيل : إن الأرض بسطت على الماء ، فكانت تتحرك كما تتحرك السفينة في الماء ، فأرساها اللّه وأثبتها بالجبال . النوع الرابع من الدلائل : قوله تعالى :
وَجَعَلْنا فِيها
أي : في الرواسي
فِجاجاً
أي : مسالك واسعة سهلة ، ثم أبدل منها
سُبُلًا
أي : مذللة للسلوك ، ولولا ذلك لتعسر أو تعذر الوصول إلى بعض البلاد
لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ
إلى منافعهم من ديارهم وغيرها ، وإلى ما فيها من دلائل الوحدانية . النوع الخامس من الدلائل : قوله تعالى :
وَجَعَلْنَا السَّماءَ
وأفردها مع إرادة الجنس ؛ لأن أكثر الناس لا يشاهدون منها إلا السماء الدنيا ، ولأن الحفظ للشيء الواحد أتقن
سَقْفاً
أي : للأرض كالسقف للبيت
مَحْفُوظاً
أي : عن السقوط بالقدرة ، وعن الفساد والانحلال إلى الوقت المعلوم بالمشيئة ، وعن الشياطين بالشهب
وَهُمْ
أي : أكثر الناس
عَنْ آياتِها
أي : من الكواكب الكبار والصغار ، والرياح والأمطار وغير ذلك من الدلائل التي تفوت الانحصار الدالة على قدرتنا على كل ما نريد من البعث وغيره ، وعلى عظمتنا بالتفرد بالإلهية وغير ذلك من أوصاف الكمال من الجلال والجمال
مُعْرِضُونَ
لا يتفكرون فيما فيها من السير والتدبير وغير ذلك ، فيعلمون أنّ خالقها لا شريك له .