إِلَّا ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلى
( 20 ) استثناء منقطع أو متصل من محذوف مثل : لا يؤتى إلا ابتغاء وجه ربه لا لمكافأة نعمة
وَلَسَوْفَ يَرْضى
( 21 ) وعد بالثواب الذي يرضيه .
والآيات نزلت في أبي بكر حين اشترى بلالا في جماعة تولاهم المشركون فأعتقهم .
شرح
القدر عند اللّه تعالى لا للرياء والسمعة . قوله : ( استثناء منقطع ) لأن ابتغاء المرضاة ليس من جنس النعمة التي يجازى عليها فيكون منصوبا على الاستثناء المنقطع ، وتكون « إلا » بمعنى لكن أي لكن فعل ذلك ابتغاء وجه ربه أي لابتغاء التوجه إلى ربه . قوله : ( أو متصل من محذوف ) يدل عليه قوله :وَما لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزىفإنه يدل على أن المراد لا يؤتى ماله لأمر من الأمور إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى . فعلى هذا يكون المستثنى داخلا في المستثنى منه ويكون الاستثناء متصلا . قوله : ( والآيات نزلت في أبي بكر رضي اللّه عنه ) هذا ما ذهب إليه جمهور المفسرين . والشيعة ينكرون ذلك ويقولون : إنها نزلت في حق علي بن أبي طالب ، ويستدلون عليه بأن قوله تعالى :وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ راكِعُونَ[ المائدة : 55 ] نزلت في حقه فقوله :الْأَتْقَى الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكَّىإشارة إلى ما في تلك الآية . ونحن نقول :
لا يمكن حمل الأتقى المذكور في هذه الآية على علي رضي اللّه عنه لأنه تعالى قال في صفة هذا : ( الأتقى وما لأحد عنده من نعمة تجزى ) وهذا الوصف لا يصدق على علي رضي اللّه عنه لأنه كان في تربية النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أخذه من أبيه وكان يطعمه ويسقيه ويكسوه ويربيه ، فكان عليه السّلام منعما عليه بنعمة يجزى عليها . بخلاف أبي بكر فإنه لم يكن لأحد عنده من نعمة دنيوية ، نعم كان للرسول صلّى اللّه عليه وسلّم عنده نعمة الهداية والإرشاد إلى الدين إلا أن هذه النعمة لا يجزى عليها لقوله تعالى حكاية عنه عليه السّلاملا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً[ الأنعام : 90 ] وآيات أخرى والمذكور ههنا ليس مطلق النعمة بل نعمة تجزى ، فظهر أن هذه الآية لا تصلح أن تكون نازلة في حق علي رضي اللّه عنه ، فتعين أنها نزلت في أبي بكر لأن الأمة أجمعوا على أن أفضل الخلق وأكرمهم وأتقاهم أبو بكر رضي اللّه عنه . روي أن بلالا كان مولى عبد اللّه بن جدعان فسلح أي تغوط على الأصنام ، وكان صادق الإسلام طاهر القلب ، فاطلع المشركون عليه فشكوه إلى عبد اللّه فوهبه لهم ومائة من الإبل ينحرونها لآلهتهم . فأخذوا يعذبونه في الرمضاء أشد العذاب وهو يقول : أحد أحد ، فمر به رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقال :
« ينجيك أحد أحد » . ثم أخبر عليه السّلام : « أن بلالا يعذب لأجل دينه » فحمل أبو بكر رطلا من ذهب فابتاعه به فأعتقه . فقال المشركون : ما فعل ذلك أبو بكر إلا ليد كانت لبلال عنده .
فنزل قوله تعالى :وَما لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزى إِلَّا ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلىوقال ابن الزبير وهو على المنبر : كان أبو بكر يشتري الضعفة من العبيد فيعتقهم فقال أبوه : يا بني لو كنت تبتاع من يمنع ظهرك فقال : يمنع ظهري ربه . فنزلت هذه الآية . ثم وعده اللّه بأن