شرح
قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْها جائِرٌأي علينا طريقة الهدى التي تؤدي سالكها إلينا . والهدى على الأول بمعنى الهداية والإرشاد ، وعلى الثاني بمعنى الطريقة المبينة لهداية اللّه تعالى وإرشاده سميت باسم ما هو سبب لتبينها مجازا . قوله : ( فنعطي في الدارين ما نشاء لمن نشاء ) فيكون قوله :إِنَّ لَنا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولىفي معرض التأكيد والتحقيق لقوله :إِنَّ عَلَيْنا لَلْهُدىولما يلزمه من الضمان لثواب الاهتداء في الآخرة ، فإن من تفرد بمالكية الدارين يملك إرشاد الأنام إلى الحق في الدنيا ويملك إثابتهم على الاهتداء في العقبى .
قوله : ( أو ثواب الهداية للمهتدين ) فيكون ذلك تتميما لقوله :إِنَّ عَلَيْنا لَلْهُدىعلى معنى أن علينا أن نهديه في الأول إلى الحق وأن نثيبه على اهتدائه في الآخرة . قوله : ( أو فلا يضرنا ترككم الاهتداء ) فيكون استئنافا لبيان أنه تعالى إنما يهديهم ويرشدهم إلى الحق رحمة لهم لا لمنفعة تعود إليه كأنه قيل : علينا أن نهديكم إلى صراط مستقيم ومن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ، ومن أساء فعليها لا تعود منفعة اهتدائه ولا مضرة عدم اهتدائه إلينا ، وأن اهتداءكم لا يزيد في ملكنا شيئا لأن لنا الآخرة والأولى . فالوجوه الثلاثة لبيان وجه ارتباط الآية بما قبلها لا لبيان معناه لأنه معلوم . قوله : ( لا يلزمها مقاسيا شدتها ) لما دل ظاهر قوله تعالى :لا يَصْلاها إِلَّا الْأَشْقَى الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّىعلى أنه لا يدخل النار إلا الكافر . وهذا الحصر ترده النصوص الدالة على وعيد العصاة والفساق ، حمل صلى النار على لزومها والخلود فيها مقاسيا شدتها وحرها لكون الصلى بهذا الوجه كمال الصلى فيحمل عليه عند الإطلاق . ولا شك أن الصلى بهذا المعنى منحصر في الكافر وأمر الفاسق مفوض إلى مشيئة اللّه تعالى فإما أن لا يدخلها رأسا أو يدخلها ولكن لا يلزمها . وجعل حمله صلى النار على لزومها وسيلة إلى دفع ما يتوهم من أن منطوق قوله :لا يَصْلاها إِلَّا الْأَشْقَىالذي يخالف مفهوم قوله :وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَىفإنه بمفهومه يدل على أن غير الأتقى لا يتجنبها بل يصلاها ويدخلها ودخول عصاة المؤمنين النار يخالف الحصر السابق ، فلما جعل صلى النار بمعنى لزومها كان منطوق الأول خلود الكافر فيها ومفهوم الثاني دخول العصاة وهو لا يخالف انحصار الخلود في الكافر لأن دخول العصاة لا يستلزم خلودهم . قوله : ( لقوله يتزكى ) استدل به على أن الإيتاء ليس المراد به صرف المال مطلقا بل المراد به صرف المال في مصارف الخير وإن كان « يتزكى » بدلا من « يؤتى » لا يكون له محل من الإعراب لأنه لما كان بدلا من صلة « الذي » كان داخلا في حكم الصلة ، والصلات لا محل لها من الإعراب لأن الصلة بعض الاسم وبعض الاسم لا محل له ، وإن كان حالا من المنوي في « يؤتى » كان المعنى : يؤتيه متزكيا أي متطهرا من الذنوب أو متزايدا في الخير زاكيا رفيع