إِلَّا الْمُصَلِّينَ
( 22 ) استثناء للموصوفين بالصفات المذكورة بعد ذكر المطبوعين على الأحوال المذكورة قبل لمضادة تلك الصفات لها من حيث إنها دالة على الاستغراق في طاعة الحق ، والإشفاق على الخلق ، والإيمان بالجزاء ، والخوف من العقوبة ، وكسر الشهوة وإيثار الآجل على العاجل ، وتلك ناشئة من الانهماك في حب العاجل وقصور النظر عليه .
الَّذِينَ هُمْ عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ
( 23 ) لا يشغلهم عنها شاغل .
وَالَّذِينَ فِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ
( 24 ) كالزكوات والصدقات الموظفة .
لِلسَّائِلِ
الذي يسأل
وَالْمَحْرُومِ
( 25 )
شرح
أفعاله تعالى قبيحا فلا يصح أن يقال : خلق الإنسان هلوعا قبيح . فإن قيل : حاصل معنى الهلع أن يكون الشخص نفورا عن المضار طالبا للراحة وهذا وصف ملائم لمقتضى العقل فلم ذمه اللّه تعالى ؟ فالجواب أن المذموم هو كون الشخص بحيث يقصر نظره على الأحوال الجسمانية منهمكا في حب الحظوظ العاجلة راغبا فيها نافرا عما يكون شرفا بالنسبة إليها ، وكان الواجب عليه ما ذكره المصنف من الاستغراق في طاعة الحق والإشفاق على الخلق والرضى بجميع ما أصابه من الفقر والمرض ونحوهما ، وصرف ما رزقه اللّه تعالى من النعم كالمال والصحة ونحوهما إلى ما يؤدي إلى سعادة الآخرة ولا يطلب شيئا منها لكونها منفعة عاجلة .
قوله : ( لمضادة تلك الصفات لها ) علة لاستثناء هؤلاء الموصوفين من المطبوعين على الأحوال المذكورة سابقا ، فإن الصفات المذكورة بعد لما كانت مضادة لأحوال المطبوعين بحيث يمتنع اجتماعها في موضع واحد وجب أن يكون الموصوفون بتلك الصفات مستثنيات من المطبوعين على الأحوال المذكورة سابقا وإلا لزم اجتماع الأمور المضادة . قوله : ( لا يشغلهم عنها شاغل ) أي عن أدائها في أوقاتها . قال الإمام : فإن قيل : كيف قال : ( على صلواتهم دائمون ) ثم قال :عَلى صَلَواتِهِمْ يُحافِظُونَ[ المؤمنون : 9 ] ؟ وأجاب عنه بقوله معنى : داومهم عليها أن لا ينسوها في وقت من الأوقات ومحافظتهم عليها ترجع إلى الاهتمام بحالها حتى يؤتى بها على أكمل الوجوه ، وهذا الاهتمام إنما يحصل تارة بأمور سابقة على الصلاة وتارة بأمور لاحقة لها وتارة بأمور متراخية عنهما . أما الأمور السابقة فهي : أن يكون المؤمن قبل دخول وقتها متعلق القلب بدخول أوقاتها ، وبالوضوء وستر العورة وطلب القبلة ووجدان الثوب والمكان الطاهرين ، والإتيان بالصلاة في الجماعة وفي المساجد المباركة ، وأن يجتهد قبل الدخول في الصلاة في تفريغ القلب عن الوساوس والالتفات إلى ما سوى اللّه تعالى ، وأن يبالغ في الاحتراز عن الرياء والسمعة . وأما الأمور المقارنة فهي أن لا يلتفت يمينا ولا شمالا وأن يكون حاضر القلب عند القراءة فاهما للأذكار مطلقا على حكم الصلاة . وأما الأمور المتراخية فهي أن لا يشتغل بعد إقامة الصلاة باللهو