وتحضر كقول ذي الرمة :
. . . تدعو أنفه الريب
مجاز عن جذبها وإحضارها لمن فر عنها . وقيل : تدعو زبانيتها وقيل : تدعو تهلك من قولهم : دعاه اللّه إذا أهلكه .
مَنْ أَدْبَرَ
عن الحق
وَتَوَلَّى
( 17 ) عن الطاعة
وَجَمَعَ فَأَوْعى
( 18 ) وجمع المال فجعله في وعاء وكنزه حرصا وتأميلا .
إِنَّ الْإِنْسانَ خُلِقَ هَلُوعاً
( 19 ) شديد الحرص قليل الصبر
إِذا مَسَّهُ الشَّرُّ
الضر
جَزُوعاً
( 20 ) يكثر الجزع
وَإِذا مَسَّهُ الْخَيْرُ
السعة
مَنُوعاً
( 21 ) يبالغ في الإمساك والأوصاف الثلاثة أحوال
شرح
مقتله : رماه فأشواه ، أي أصاب الشوى . فقوله :نَزَّاعَةً لِلشَّوىأي قلاعة للأعضاء الواقعة في أصراف الجسد ثم تعود كما كانت وهكذا أبدا . قوله : ( كقول ذي الرمة ) استشهاد لكون الدعوة مجازا عن الجذب والإحضار . وصف الثور الوحشي بقوله :أمسى بوهبين مجتاز المزنقة * ( من ذي الفوارس تدعو أنفه الربب )و « هبين » اسم موضع وكذا « ذو الفوارس » و « مجتازا » عدي باللام لتضمنه معنى الطلب أي طالبا المزنقة ، ويروى « محتازا » بالحاء المهملة . ورواية الصحاح بالجيم والربب جمع ربة بكسر الراء وهي أول ما ينبت من الأرض ، وفي مجمل اللغة : الربة نبات يبقى في آخر الصيف . و « تدعو أنفه » أي تجذبه ليأكل . وكذا دعوة لظى من فر عنها مجاز عن جذبها وإحضارها إياه . وقيل : إنها تدعوهم بلسان الحال . وقيل : إنه تعالى يخلق النطق في جرم النار فتدعو كل كافر ومنافق بأسمائهم بلسان فصيح فتقول : إليّ يا كافر إليّ يا منافق فإن مستقرك فيّ ، ثم تلتقطهم كما يلتقط الطير الحب . وليس ذلك ببعيد من قدرة اللّه تعالى .
وقيل : تدعو زبانية النار على حذف المضاف أو على إسناد المجازي حيث أسند فعل الداعي إلى المدعو إليه وقوله : « تدعو » يجوز أن يكون مستأنفا ، وأن يكون صفة لقوله : « نزاعة » ، وأن يكون حالا من المنوي فيها ، وأن يكون خبرا بعد خبر « لأن » أو خبر المبتدأ محذوف .
قوله : ( حرصا وتأميلا ) الأول علة لجمع المال والثاني لإبقائه على طريق اللف والنشر المرتب ، فإن جمع المال مبني على الحرص وحب الدنيا وإبقاءه مبني على طول الأمل .
فقوله :أَدْبَرَ وَتَوَلَّىإشارة إلى الإعراض عن معرفة اللّه وطاعته وقوله :وَجَمَعَ فَأَوْعىإشارة إلى حب الدنيا وترك الشفقة على عباد اللّه تعالى . ولا شك أن مجامع آفات الدين ليست إلا هذه وقد مر أن الوعي أن تحفظ الشيء في نفسك والإيعاء أن تحفظه في غيرك .
ثم إنه تعالى لما ذكر أن من الناس من أدبر عن طاعة الحق والإشفاق على الخلق بيّن أن الغالب على أحوال نوع الإنسان الهلع وأنه مجبول عليه بحيث صارت هذه الرذيلة كأنها