تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 336

مساهمون:

ص٣٣٦
مقدرة أو محققة لأنها طبائع جبل الإنسان عليها . و « إذا » الأولى ظرف « لجزوعا » والأخرى « لمنوعا » .
شرح
غرزت فيه كسائر الغرائز الطبيعية التي خلق الإنسان عليها فقال :إِنَّ الْإِنْسانَ خُلِقَ هَلُوعاًوالهلع صفة مركبة من صفتين ذميمتين وهما : الجزع البالغ عند إصابة المكروه ، والبخل والإمساك البالغ عند إصابة الخير . قيل : أصل الهلع في اللغة أشد الحرص وأسوأ الجزع وفعله هلع يهلع مثل علم يعلم هلعا فهو هالع وهلوع ، والجزع ضد الصبر . وانتصاب « هلوعا » على أنه حال من المنوي في خلق وهي حال مقدرة فإن الهلع ليس خصلة ضرورية حاصلة بخلق اللّه تعالى الإنسان عليها وإلا لما قدر الإنسان على إزالتها بالرياضة والمجاهدة . غاية ما في الباب أن الإنسان إذا خلى وطبعه لا يظهر عليه إلا مقتضى نفسه الأمارة بالسوء من إيثار العاجل على الآجل لكونها في عالم الظلمات فلا يميل الإنسان إلا إلى ما يلائمها من لذات عالم الطبيعة والأجسام الظلمانية ، ولا يلزم من ذلك أن تكون تلك الرذائل مما خلق الإنسان عليها وأن لا تكون من العوارض المكتسبة بالقصد والاختيار ، فظهر بهذا أنه يجوز أن يكون قوله تعالى :« هَلُوعاً »و« جَزُوعاً »و« مَنُوعاً »من الأحوال المقدرة إلا أن المصنف جوّز كونها من الأحوال المحققة فقال : « أو محققة لأنها طبائع جبل الإنسان عليها » . ورد به على صاحب الكشاف فإنه زعم أن خلق الإنسان هلوعا قبيح لا يصح إسناده إليه تعالى فليس بكلام على حقيقته بل المعنى أن الإنسان لإتيان الجزع والمنع ورسوخهما فيه كأنه مجبول عليهما وكأنه أمر خلقي ضروري غير اختياري كقوله تعالى :خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ[ الأنبياء : 37 ] أي عجولا في أكثر أموره وأغلب أحواله ، ولو كان المعنى أنه تعالى خلقه كذلك لكانت الأوصاف المذكورة لازمة له غير منفكة عنه لكنها تنفك عنه ، فإنه حين كان جنينا في البطن وصبيا في المهد لم يكن به هلع . ولأن قوله تعالى :إِنَّ الْإِنْسانَ خُلِقَ هَلُوعاًذم واللّه تعالى لا يذم فعله ويدل على كونه ذما استثناء المؤمنين الموصوفين بثمانية أوصاف وهو ما ذكره إلى قوله :وَالَّذِينَ هُمْ عَلى صَلَواتِهِمْ يُحافِظُونَ[ المؤمنون : 9 ] وأشار المصنف إلى جواز أن تكون الأوصاف المذكورة صفات غريزية جبل عليها الإنسان وأنه إذا خلى وطبعه لا يظهر منه إلا آثار تلك الصفات ومقتضياتها من الأفعال والأقوال إلا أنه لما أعطى العقل وميزان الشرع وبيّن له غوائل الأخلاق الذميمة ومحاسن الأخلاق الحميدة تخلق بمخالفة طبعه وموافقته لشرعه ومجاهدة نفسه الأمارة حتى تحلى بالصفات المضادة لتلك الأحوال والأمور الجبلية يجوز تبديلها بالرياضة والمجاهدة ، فإن لكل داء دواء متى أصاب الداء أزاله . وارتكاب القبيح إنما يتصور ممن يكلف باتباع المأمور به واجتناب المنهي عنه لا ممن يفعل ما يشاء بقدرته ويحكم ما يريد بعزته ولا يسأل عما يفعل فلا يكون شيء من
حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 336 | محيي الدين محمد شيخ زاده / محمد عبد القادر شاهين