بحيث يجمدون فيه . وقرأ أبو بكر « مكاناتهم »
فَمَا اسْتَطاعُوا مُضِيًّا
ذهابا
وَلا يَرْجِعُونَ
( 67 ) ولا رجوعا فوضع الفعل موضعه للفواصل . وقيل : ولا يرجعون عن تكذيبهم . وقرىء « مضيا » باتباع الميم الضاد المكسورة لقلب الواو ياء كالعتى والعتى ومضيا كصئى والمعنى : إنهم بكفرهم ونقضهم ما عهد إليهم أحقاء بأن يفعل بهم ذلك لكنا لم نفعل لشمول الرحمة لهم واقتضاء الحكمة إمهالهم .
وَمَنْ نُعَمِّرْهُ
ومن نطل عمره
نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ
نقلبه فيه فلا يزال يتزايد ضعفه وانتقاص بنيته وقواه عكس ما كان عليه بدء أمره . وقرأ عاصم وحمزة ننكسه من التنكيس وهو أبلغ والنكس أشهر .
أَ فَلا يَعْقِلُونَ
( 68 ) أن من قدر على ذلك قدر على الطمس والمسخ فإنه مشتمل عليهما وزيادة غير أنه على تدرج . وقرأ نافع وابن عامر ويعقوب بالتاء لجري الخطاب قبله .
شرح
قوله : ( بحيث يجمدون فيه ) يقال : جمد يجمد جمدا وجمودا وهو مقابل ذاب . ويجوز أن يكون يخمدون بالخاء لقوله :فَإِذا هُمْ خامِدُونَ[ يس : 29 ] واختلف في المسخ ؛ فعن ابن عباس رضي اللّه عنهما : لمسخناهم قردة وخنازير . وأشار إليه المصنف بقوله : « بتغيير صورهم » . وقيل : لمسخناهم حجارة . وقيل : لأقعدناهم على أرجلهم وأزمناهم . وأشار إليهما المصنف بقوله : « وإبطال قواهم » . والمكانات جمع مكانة بمعنى المكان كالمقامات جمع مقامة بفتح الميم وهو موضع القيام . قوله : ( وقيل ولا يرجعون عن تكذيبهم ) والظاهر أن المعنى لمسخناهم مسخا يبطل قواهم فلا يستطيعون معه الإصرار على التكذيب ولا الرجوع عنه ، كما أن المعنى على الأول لمسخناهم مسخا يلزمهم مكانهم لا يقدرون معه أن يذهبوا أمامهم ولا أن يرجعوا خلفهم . قوله : ( المكسورة لقلب الواو ياء ) وأدغمت وكسرت الضاد قبل الياء الساكنة للتسلم الياء ثم كسرت الميم اتباعا للضاد والصئي على وزن فعيل صوت الفرخ ونحوه يقال : صأى الفرخ يصأى صئيا إذا صاح والقراءة المشهورة ضم الميم في مضيا وفتحها وكسرها شاذ . قوله : ( لشمول الرحمة لهم ) فإن رحمة اللّه تعالى تعم المؤمن والكافر في الدنيا . قوله : ( وقرأ عاصم وحمزة ننكسه ) والباقون ننكسه بفتح النون الأولى وإسكان الثانية وضم الكاف مخففة من نكسه ينكسه نكسا أي قلبه على رأسه فانتكس والولد المنكوس الذي يخرج رجليه قبل رأسه وبناء التنكيس للتكثير لكثرة الأحوال التي تنقلب على الإنسان الموجبة إلى الهرم على حسب كثرة الأحوال التي يترقى فيها الصبي إلى أن يبلغ أشده فإنه خلق على ضعف في جسده وخلق على عقل وعلم ثم يتزايد وينتقل من حال إلى حال إلى أن يستكمل قوته ويعقل ما له وما عليه ، فإذا انتهى طفق يتنكس في الخلق ويتناقص حتى يرجع إلى حال تشبه حال الصبي في ضعف جسده وقلة عقله وخلوه عن العلم .